قد لانستحق منك الترحيب ، ولكن أنت تستحقين منا الشكر على ما بذلت وتبذلين من جهد جعله الله في موازين أعمالك ، وحقا كم هي استراحة رائعة تستحق المرور ، واسمحي لتطفلي وقطع روعة سردك فأورد لك هذه القصة كما كتبها د. عبد العزيز الخويطر .
جواهر في إناء صفيح
بعض القصص في الأدب العربي تشد فتصرف القارئ عن التفكير في صحتها أو اختلاقها ، ويعمد قارئها إلى إلغاء التفكير هذا تجاهها ، ويأخذها على علاتها ، ويتلذذ بما فيها من متعة الطرافة ، وجمال منطق العرض . وأمامي الآن قصة من هذا النوع ، انتهت بعطاء جزيل بسبب كذبة ، وبهذا استحقت عنوان : جواهر في إناء صفيح:
«كان بالبصرة ثلاثة إخوان ، يتعاشرون ولا يفترقون ؛ اثنان شاعران، والآخر منجم ، لا يحسن شيئاً ، ففني ما بأيدهم ، عندها خرج الشاعران إلى بغداد ، فمدحا من كان بها من الأشراف، فرجعا وقد اعتقدا (حصلا) أموالاً نفيسة، وبقي صاحبهما في فقره .
فقالا له : لو ذهبت ، فتسببت .
فقال : مالي صناعة ، ولا عندي بضاعة .
فقالا : على كل حال معك ظرف ، ولك لطف .
فخرج إلى بغداد ، واتصل بيقطين بن موسى ، وقال : ما أتيت إليك بشيء ، غير أني أكذب الناس . فضحك ، وخف على قلبه . فكان في جملة حاشيته . فغضب المهدي على عبدالله بن مالك الخزاعي ؛ فأتاه الرجل ، وهو من المهدي في أشد السخط ، وقد ألزمه داره ، فقال للحاجب :
استأذن على الأمير ، وقل له :
رسول الأمير يقطين بالباب :
فدخل ، وخرج له بالإذن ، فدخل . وقال : الأمير يقول لك :
اليوم كنت عند أمير المؤمنين ، فذكّرته سالف حقوقك ، وقديم خدمتك ، فعفا عنك ، وأمرك بالركوب غداً ، ليخلع عليك ، ويجدد الرضا عنك بمحضر الناس .
فَسُرَّ عبدالله بذلك ، ودفع إلى الرجل مالاً ، وبكّر إلى دار المهدي ، فاستأذن عليه ، فلما دخل ، قال :
ما جاء بك ؟ قبحك الله ! وقد أمرنا بلزومك دارك ؟
قال : أو ما رضيت عني ، يا أمير المؤمنين ، وأمرت يقطينا بإحضاري ؟
فقال : إذاً لا رضي الله عني ، ولا خطر هذا بقلبي .
قال : فرسولُه أتاني بذلك .
قال : علي بيقطين .
فأتي به ، فقال :
أتكذب عليّ ، وتحكي عليّ ما لم أقله؟
قال : وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟
قال : زعمت أني رضيت عن هذا .
قال يقطين : وأيمان البيعة (1) يا أمير المؤمنين ، إن كنت سمعت بشيء من هذا أو قلته .
قال عبدالله : بل أتاني رسولك فلان.
فبُعث خلف الرجل يحضره المهدي . فلما حضر ، قال :
ما هذا الذي فعلت ؟
قال : يا سيدي ، هذا بعض ذلك المتاع ، بدأت في نشره خوفاً عليه من السوس .
فقال المهدي : ما يقول ؟
فأخبره يقطين بأول أمره معه . فضحك المهدي ، وجدد الرضا عن عبدالله بن مالك ، ووصل الرجل بصلة جزيلة ، ووصله عبدالله بأوفر صلة . فانصرف إلى صاحبيه ، واسع النعمة ، عظيم المال . »
وقد قدم صاحب كتاب : "جمع الجواهر" لهذا بقوله ، عنواناً: "الملح تبلّغ المطالب ، وترفع من لا قدم لقومه". ثم بدأ الباب بقوله : "وكم أفادت من الرغائب ، وبلّغت من المطالب ، ورفعت من لا قدم لقومه ، ولا أمس ليومه(2) ."
لقد صدق فكم رأينا من إنسان تتعداه عين الرائي ، يكون زينة المجلس ، ونور النادي ، وكم ظريفة تأتي من مثل هذا تحل إشكالاً ، أو ترفع ضيماً ، أو تأتي برزق لمحتاج .
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
هوامش :
1- لا يحوز الحلف بغير الله ، لأن الحلف بغير الله شرك ، أما إذا كانت أيمان البيعة في الأصل حلف بالله ، وأنه بهذا أحال إلى حلف بالله ، فالأمر مختلف .
2- جمع الجواهر ، في الملح والنوادر ، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني (ص:24) ، دار الجيل ، بيروت : الطبعة الثانية ، تحقيق : علي محمد البجاوي
العدد348 السنة31 محرم1427هـ