أولا : أعتذر منك أختنا شنوارة لتأخري في الرد حيث أنني منشغل هذه الأيام بما ينشغل به كل معلم
من تصحيح و مراجعة ورصد و و و و ... إلخ . ولا سيما معلم اللغة العربية , أعاننا الله .
++ عذر مقبول أستاذي أبا ليان - أثابك المولى و أعانك على الإنصاف - ++
ثانيا : بالنسبة للقصيدة التي قمتِ بطرحها , أراك ذكرتِ في بداية طرحك أنها معارضة لمعلقة عمرو بن كلثوم
المعروفة , ولكن ما أعرفه عن قصائد المعارضة , أنها تحمل في مضمونها نفس الأفكار التي تطرحها القصيدة
الأولى مع اتفاق في التوجهات أو اختلاف فيها .
ومثال اتفاق التوجهات قصيدة نهج البردة التي عارض فيها أحمد شوقي بردة البوصيري عفا الله عنه و عن ماوقع فيه من زلل .
والتي حاكى فيها البوصيري بردة كعب بن زهير رضي الله عنه , وجميعها اتفقت في البداية الغزلية التي ينتقل بعدها الشاعر إلى
مدح الرسول صلى الله عليه وسلم , و إن كان البوصيري قد غلا غلوا مذموما في ذلك المدح .
و مثال اختلاف التوجهات تلك القصيدة الطريفة خفيفة الظل و التي أبدع فيها الشاعر ابراهيم طوقان في وصف حال المعلم في زمانه
و خصوصا معلم اللغة العربية , والتي عارض فيها قصيدة أحمد شوقي الشهيرة التي يقول فيها : ـ
قم للمعلم وفه التبجيلا **** كاد المعلم أن يكون رسولا
ويقول ابراهيم طوقان : ـ
شوقي يقول - وما درى بمصيبتي**** قم للمعلـم وفه التبجيــلا.
اقعد فديتك هل يكون مبجلا **** من كان للنشء الصغار خليلا
فياليت ابراهيم طوقان يعود ليرى كيف صار حال المعلم في زماننا هذا !!!
وبالعودة إلى موضوعنا لا أرى أي نقطة التقاء بين القصيدتين سوى في الوزن و القافية , حيث أن معلقة عمرو بن كلثوم بدأت بوصف الخمر ثم انتقلت إلى عدة مواضيع و ذلك كطبيعة أي قصيدة جاهلية تفتقر إلى الوحدة الموضوعية .
++ أحسنت فأصبت فأبدعت (( مثل طريقة كاتبنا في الإشادة )) ، و حينما قلت أنها معارضة لم آخذ من تعريف فن المعارضة الإدبية إلا شق منه على احتمال أنك ستتغاضى عنها، و لو أنني قلت " محاكاة في الأسلوب " لكان أبلغ ، والتعريف الذي أردته هو / أن المعارضة الشعرية هي محاكاة قصيدة لأخرى موضوعا ووزنا وقافية مثل معارضة أحمد شوقي لبردة البوصيري** بقصيدته " نهج البردة ". . .، لكني في الأخير أعترف في عدم إخضاع عباراتي لشئ من الدقة . ++
أما هذه القصيدة - إن لم يجانبني الصواب - هي عبارة عن مناجاة بين الشاعرة و بين قصيدتها أو مقدرتها الشعرية , وقد أسقطت من خلالها
طرحا سطحيا لبعض الهموم التي تعتري مجتمعنا كقول الشاعرة : ـ
ودونكِ يا قصيدُ رؤايَ حرّى * * * تَفِـرُّ لحالِنـا ألمـاً ثَخينـا
ألا هبّي بأنفاسـي .. فإنّـي * * * لتَخنُقُني سَوافِينـي شُجونـا
++ صدقت و رافق الصواب أحرفك الجزلة ++
و كذلك : ـ
ألا هبّـي بآهاتـي ودمعـي * * * وغضبةِ آنـفٍ ممـا بُلينـا
و هذا البيت أحد أجمل أبيات القصيدة – من وجهة نظري على الأقل – ولما فيه من جمال معنى و جودة مبنى .
و قد احتوى على استعارتين , الأولى مكنية – وهي مكررة - وهي استعارة الريح للقصيدة فحذف الريح وكنى بصفتها و هي الهبوب .
و الثانية تصريحية حيث جعلت فيها الآهات و الدمع بمثابة ما تحمله الريح معها من عوالق لترتفع إلى الأعلى , فكأني بالشاعرة تأمر قريحتها الشعرية أن ترتفع بما في داخلها من آهات ودموع و غضب بسبب ما ابتلينا به و المجال هنا واسع لتتخيل أي بلاء تقصد , و الحديث يطول .
++ وجة نظر في تقييم الأبيات ، ومن ناحيتي راق لي ّ هذا البيت التالي كثيراً /
وشُدِّيني لخيلِ الشِّعرِ ركبـاً * * * أثيرُ الويلَ من حرفـي لَعينـا
وبارك المولى شرحك لما اخترته من القصيدة .++
والقصيدة بشكل عام تميل إلى المذهب الوجداني الذي تتبعه المدرسة الرومانسية , وقد تنوعت ألفاظها ما بين السهولة و الليونة
كالألفاظ ( وجد تهادى ,شوق تثنى , غيم حب , لحون الروح ) وغيرها كثير , إلا أنها لم تخل من بعض الخشونة والغرابة من مثل : ( الغرّيد ,
اعشوشبت , غضبة , أثير الويل , لعينا , نقرع , وخوما )
++ أنت على حق أخي العزيز ، و الجميل في خلطها بين الألفاظ السهلة و الخشنة أنها فرقتها في قصيدتها فوازنت بينها . ++
و لدي هنا بعض الوقفات و الاستفسارات : ـ
* في مطلع القصيدة تقول الشاعرة : ـ
ألا هبّي بحرفكِ واصْحَبينـا * * * كفى نأياً قصيدةُ بـان فينـا
حقيقة , لم أفهم المقصود بكلمة ( بان ) هل هي الفعل الذي يأتي بمعنى ظَهَر أو بمعنى فارق ؟
أم هي الاسم الذي يدل على نوع من أنواع الشجر ؟
فإن كان المراد هو الفعل فلا أرى أي من المعنيين يخدم البيت , و إن كان المراد الاسم فقد انكسر
البيت لأن الكلمة في هذا الموضع يجب أن تكون منونة , والتنوين هنا لايخدم الوزن . إلا إذا أريد بالكلمة معنى غير ماذكرت .
++ - من وجة نظر خاصة - من أول قرآءة ليّ لهذه القصيدة تبادر لذهني المعنى الأول وهو الظهور فكأنها تقول كفى ياقصيدة فقد ظهر وبان فينا النأي فأسعفينا بأحرفك ، و أما المعنى الثاني فكما قلت سيكسر الورزن ++
* في البيت : ـ
لتأسِرُني ارتعاشةُ قلبيَ الغرّي * * * ـدُ ما حلمٌ تخايَلَنـي فُتونـا
هذا البيت مكسور - على الرغم من تدويره - حيث زادت حركة وسكون في آخر العجز ومن أراد أن يتأكد من ذلك فليقم بتقسيم
البيت تقسيما عَروضيا و سوف يتضح له ذلك جليا . علما أنه واضح من خلال القراءة الشعرية .
وكانت تستطيع جبر ذلك الكسر لو قالت :ـ
لتأسرني ارتعاشة قلبي أسراً *** لحلمٍ ( ما ) تخايلني فتونا
ملاحظة : القصيدة من البحر الوافر و وزنه ( مفاعلتن مفاعلتن فعولن )
++ فعلاً ! يوجد كسر وواضح جداً كما قلت من القرآءة العابرة حتى ++
* في البيت : ـ
وشُدِّيني لخيلِ الشِّعرِ ركبـاً * * * أثيرُ الويلَ من حرفـي لَعينـا
من هو الذي يثار لعينا , الويل أم الحرف ؟
أظنها - والظن هنا لليقين أيضا - أنها للويل , وإنما كان استفهامي عن الكلمة لاستنكاري لها .
حيث أن كلمة ( لعين ) مستهجنة بشكل عام , ولو قالت شاعرتنا : ـ
وشُدِّيني لخيلِ الشِّعرِ ركبـاً * * * أثيرُ الحزن من حرفي أنينا أو ( أثير الهم من حرفي حزينا ) لكان أجمل , وهذه وجهة نظر فحسب .
++ رفيق التخصص ، أظنها هنا تعني نفسها فهي تقول : لخيل الشعر شديني لأثير أنا الويل بحرفي ، وعن استبدالك لكلمة " لعينا " اقتراح يحتمل الصحة .++
* استخدام ( نا ) كقافية للقصيدة هو استخدام ذكي حيث أنه يعطي الشاعر مجالا واسعا من المفردات
سواء من الكلمات التي تنتهي بحرف النون , أو أي كلمة تختم بـ ( نا ) المتكلمين , بالذات أن هذا الضمير
صالح بأن يتصل بأنواع الكلام الثلاثة , الاسم و الفعل و الحرف , وهو الضمير المتصل الوحيد الذي يتنوع
بين المواقع الإعرابية الثلاثة , الرفع و النصب و الجر .
ولا يعاب على الشاعر طبعا استخدامه لهذه القافية فللشاعر الحق في أن يستخدم ما يشاء من القوافي طالما
أنها تخدم المعنى بشكل خاص و الإبداع الشعري بشكل عام , ويكفينا في ذلك نونية ابن زيدون الرائعة شكلا و مضمونا .
++ // ابتسامه // ++
هذه بعض الوقفات مع هذه القصيدة التي أبدعت فيها الشاعرة في وصف تلك المناجاة بينها و بين قصيدتها و قريحتها الشعرية
و لا أخفي - حقيقة - إعجابي بها .و ما تلك الوقفات التي ذكرتها إلا وجهات نظر شخصية قد تكون صحيحة و قد تكون خاطئة
وأترك الرأي لبقية الأخوة , والله تعالى أعلم .
++ بارك المولى مسعاك ، و ألا ترى أبا ليان كيف تغير الطرح في هذا الموضوع وكيف استمتعنا بتحليل القصيدة وتذوقها لا سيما معك أخي الكريم بانتظار تفاعلك معنا الأسبوع القادم و كما قلت نترك الرأي لبقية الأخوة الأعزاء ++
ولك الشكر أخت شنوارة مرة أخرى على الموضوع .
تقبلي مروري ... ولكِ تحيتي .
++ لك أنت الشكر لاعارتك موضوعي دقائق من وقتك الثمين ، و تقبل تعليقاتي المتواضعة ، حتى ذلكم الحين استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه ++
و الحديث ذو شجون مع البقية .
.