لكل أب: قصة مدمن
يسرد ذلك الأب الستيني المكلوم قصته في كلمات تتقاطع مع حشرجة البكاء: تزوجت زوجتي الثانية وأنا على مشارف الأربعين واقترنت بها شابة لم تصل للعشرين ودخلت بيتي أمية لا تقرأ أو تكتب ومن بيئة ريفية معدمة وهي المواصفات التي اخترتها طوعاً وأنا حامل درجة الماجستير المحافظ الملتزم (أعرفه موسوعياً غزير الثقافة). نعيش من يوم زواجنا حياة سعيدة هانئة دافئة حتى اللحظة لولا نزوات ابننا البكر من هذه الزوجة. يواصل: يرقد ابننا اليوم على سرير مستشفى الأمل بعد خروجه من إصلاحية الأحداث بنزر من أخطائه التي قادته للإدمان وبشيء هائل من أخطائنا معه وبالتحديد سطوة والدته عليه حين أحالت طريقة الحياة في المنزل إلى ثكنة قاسية جافة. هذه الأمية التي لا تقرأ ولا تكتب تحولت بفعل جلسات الضحى في الحي إلى مفردة لغوية كل ما حولها في الحياة حرام مكعب. وفي سنين المراهقة لم نترك لابننا فرصة لبقاء بريء تحت عيوننا في المنزل. التلفزيون حرام حتى بأصغر شاشة لقنواتنا المحلية. الكمبيوتر حتى بدون الإنترنت محرم. أي نوع من الملابس من غير القطن ومن غير طريقة ملابسنا وأنواعها مجرد تقليد ومحاكاة للكفار في نظر هذه الزوجة التي لم تقرأ في حياتها حرفاً ولم تشاهد بعينها ثقافة غير البيئة التي نعيش فيها. يواصل: كان ابننا ذكياً لماحاً وحتى المتوسطة كان الأول على فصله. كان مهووساً بكرة القدم ولكم بكى في سنين المراهقة كي نضمن له اشتراكاً في قنوات الرياضة الحصرية ولكن: إذا كانت قناتنا الأولى حراماً في حرام فكيف بدش استقبال فوق المنزل؟
عندها بدأ الابن الوسيم الذكي رحلة الهروب ولكم عانينا من بدايات الرحلة. فبدلاً من أن يكون تحت أعيننا وإشرافنا بالمتاح الضروري لإشباع رغبته، صار المنزل لديه سجناً هرب من أسواره لما هو أكثر خطورة وأشنع حرمة. صار يهرب للمقاهي لمشاهدة القنوات ومن أجل الكمبيوتر ولنزوات المراهقة مع شلة فاسدة استغلت فيه كوامن الكبت المنزلي وحسنت له حرية الشوارع والمقاهي والملاهي حيث لا حدود للحرام إلا داخل أسوار المنزل. يواصل: أكتب عن قصتي معه دون إشارة للأسماء فأنا أخشى على الأخوين الآخرين من ذات الطريق. قلت له: وهل غيرت شيئاً من أجلهما حتى لا تتكرر التجربة؟ سكت وليتني قلت له جارحاً: إن الذي أوصلكم لهذه المأساة لا يقرأ ولا يكتب