يتمتع الناس هذه الأيام بالإجازة الصيفية التي دائماً ما تحل عليهم بعد طول انتظار مما يحفزهم على السهر ويحد كثيراً من أوقات نومهم والمعروف بداهة أن الله سبحانه وتعالى قد فطر الناس على النوم بالليل وكسب الرزق بالنهار تماشياً مع دورة الشمس والقمر التي جعلها الله منظماً كونياً للساعة الحيوية الداخلية. ولذلك كان من الطبيعي أن يعاني الإنسان من عدد من الاضطرابات المرتبطة بالنوم والاستيقاظ عند خروج نسق نومه الطبيعي عن دورة الليل والنهار.
ومما يميز الإجازة الصيفية تحرر كثير من الناس ـ وخاصة الطلبة ـ من الارتباط بمواعيد نوم واستيقاظ محددة مما يشجعهم على السهر ومن ثم استيقاظهم في وقت متأخر من النهار الأمر الذي عادة ما ينتهي بتغيير نمط نومهم بالكلية ودخولهم في دورة معاكسة تماماً للساعة الحيوية للجسم، ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد في معظم الأحيان بل يتعداه إلى اضطرار الإنسان أن يحرم نفسه من النوم لعدة أيام حتى أثناء النهار وذلك لعدم تفويت متعة التسلية والارتباطات الاجتماعية المختلفة أثناء الإجازة. ومن أجل التعويض عن النقص في عدد ساعات النوم الطبيعية، يضطر الشخص إلى أخذ غفوات قصيرة في أوقات مختلفة مما يزيد من اختلال الساعة الحيوية. وينتج عن هذه السلوكيات المخلفة أثناء فترة الإجازة الصيفية الكثير من اضطرابات النوم والاستيقاظ مما يعرف طبياً بالحرمان الحاد والمزمن من النوم، واضطرابات الساعة الحيوية كمتلازمة تأخر مرحلة النوم، واختلال أوقات النوم والاستيقاظ بشكل معاكس. وقد تحد هذه الاضطرابات من التمتع الكامل بنشاطات الإجازة الصيفية نظراً لظهور أعراض زيادة النعاس والخمول والصداع أثناء النهار، وتعكر المزاج، والتململ المستمر أثناء النوم في ساعات النهار وزيادة حموضة المعدة وغيرها من اضطرابات الجهاز الهضمي بسبب الأكل والشرب بشكل مفرط وفي أوقات غير منتظمة.
وتختلف القدرة على تغيير نظام النوم والاستيقاظ أثناء فترة الإجازة من شخص لآخر ومن فئة عمرية لأخرى، فالمراهقون يمكن أن يغيروا نمط نومهم والتأقلم عليه بصورة أسرع وذلك بتأخير أوقات النوم بخلاف كثير من البالغين ومن هم في سن متقدمة. ويجب التنبيه على أن مجتمعنا المدني الحديث يشجع بصورة كبيرة على اختلال مواعيد النوم والاستيقاظ نظراً للارتباطات الاجتماعية الكثيرة والتي عادة ما تبدأ في وقت متأخر من الليل، والانشغال بالإنترنت ومتابعة القنوات الفضائية وانتشار أسواق التبضع العاملة على مدار الأربع والعشرين ساعة.
ومن أجل الوقاية من اضطرابات النوم المتعلقة بالساعة الحيوية أثناء فترة الإجازة، يجب الاهتمام بتجنب أسباب السهر المفرط والتقليل من تناول المنبهات أثناء الأنشطة الاجتماعية والحرص على انتظام ساعات النوم والاستيقاظ وأخذ القسط الكافي من عدد ساعات النوم. أما من أصيب باختلال مواعيد النوم والاستيقاظ أثناء أو بعد انقضاء الإجازة فيجب ألا يترك العنان لهذه المشكلة حتى لا يصعب حلها بل يجب عليه محاولة ضبط مواعيد نومه بالتدريج على مدى عدة أيام، كتقديم موعد نومه بمقدار نصف ساعة يومياً، والتعرض لضوء الشمس أثناء ساعات الصباح الأولى لحث الجسم على الشعور بالنشاط والاستيقاظ ومحاولة تجنب القيلولة، كما يمكنه كذلك زيارة طبيب اضطرابات النوم لعرض المشكلة وعلاجها عند معاناته من عدم القدرة على العودة إلى النسق السليم للنوم الصحي.