إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبد ورسوله ، يقول تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) و يقول تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ، ويقول تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا "
يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب : القاعدة الثالثة (( أن النبي صلى الله عليه وسلم ظهر على أناس متفرقين في عبادتهم منهم من عبد الملائكة ومنهم يعبد الأنبياء والصالحين ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار ومنهم من يعبد الشمس والقمر وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفرق بينهم والدليل قوله تعالى ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ )) [ الأنفال: من الآية : 39 ]
ودليل الشمس والقمر قوله تعالى (( وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)) [ فصلت:37 ]
ودليل الملائكة قوله تعالى (( وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً )) [ آل عمران: من الآية : 80 ] ودليل الأنبياء قوله تعالى (( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ )) [ المائدة:116]
دليل الصالحين قوله تعالى (( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَه )) [الاسراء: من الآية57 ] ودليل الأشجار والأحجار قوله تعالى ((أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى)) [ لنجم:19 ] ((وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى)) [لنجم:20 ] وحديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال " خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلي حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط الحديث . )) ....
الشرح :
هذه القاعدة مرتبطة بالقاعدة التى قبلها فالذين يعبدون تلك الأشياء - يعبدون الملائكة و الأنبياء و الصالحين و يرجون شفاعتهم هم يطلبون الشفاعة منهم مع علمهم الكامل انهم لا يخلقون و لا يرزقون و لا يدبرون الأمر و لكنهم قالوا ماذا هؤلاء شفاعـئـُـنـا عند الله ، يخشعون امام تلك الاصنام و يتواضعون و يتذللون لها هم لا يسمون هذه عباده و لكنها عبادة لتلك القبور و هم يشبهون المشركيين الأولين - و فى حديث أم سلمه لما ذكرت للنبي صلى الله عليه و سلم كنيسه اسمها ماريه فى أرض الحبشة و ذكرت ما فيها من الصور التى رأتها فى أرض الحبشة فقال النبي صلى الله عليه و سلم أولئلك إذا مات فيهم الرجل الصالح او العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا و صوروا فيه تلك الصور أولئك شِـرارُ الخلق عند الله فهذا الحديث يوضح لنا ان هؤلاء الذين يعبدون القبور هؤلاء سموهم أولياء فالأمر واحد على الجميع المشركين الأولين و مشركي اليوم .
(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) : أى قاتلوا جميع هؤلاء المشركين سواء كان شركهم بالأنبياء او غيرهم حتى يكون الدين كله لله ..
الفتنه : المقصود بها الشرك ، حتى لا يكون هناك شرك حتى يسلموا و يتوبوا و يتركوا الشرك ، و قاتلوهم حتى لا يكون هناك شرك على الأرض و يكون الدين كله لله .
الدين : يعنى العبادة و الطاعة تقربـًا و جميع أنواع العبادة تكون لله تعالى فمن صرف من هذه الانواع شيئــًا لغير الله فقد أشرك ..
ودليل الشمس والقمر : أى دليل أنهم كانوا يعبدون الشمس و القمر .
قوله تعالى (( وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)) : فدلت على أن هناك أناس كانوا يعبدون الشمس والقمر ويتذللون لهما ومن هؤلاء كانوا أهل سبأ فى اليمن ..
ودليل عبادتهم للملائكة قوله تعالى (( وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً )) : أرباباً : - أى كانوا يعظمونهم ويطلبون منهم الشفاعة إلى غير ذلك .
ودليل عبادتهم للأنبياء قوله تعالى : (( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ )) : فيقول الله تعالى يوم القيامة لعيسى بن مريم هل أنت أمرتهم أن يتخذوك إلهاً ,يعبدونك كما يعبد الله تعالى ، أو يعبدون أمكمن دون الله فيرد عيسى عليه السلام من ذلك ((قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ )) أى سبحانك ما أقول لهم إلا الحق والحق أن يعبدوك وحدك ..
ودليل عبادتهم للصالحين قوله تعالى : (( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَه )) : وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذه الآية نزلت فى من يعبد الصالحين أو نزلت فى كل من يعبد معبوداً وهذا المعبود يعبد الله ,مثلاً ذهب شخص يعبد أحد الصالحين وهذا الصالح كان يعبد الله ,أو عبد أى إنسان آخر وهذا الإنسان كان يعبد الله ,أو ذهب يعبد جن مسلم وهذا الجن كان يعبد الله .
(( أَيُّهُمْ أَقْرَبُ )) : فالله عز وجل يقول لهم أيكم أقرب ، أنتم الذين تعبدونهم وهم مخلوقون ؟أم هم الذين يعبدون الله ويبتغون الوسيلة إليه ، والوسيلة : هى القربى فالصلاة وسيلة وعبادتهم وسيلة والأعمال الصالحة وسيلة وصيامهم وسيلة ،، فالله عز وجل يقول لهم إن هؤلاء الصالحون الذين تعبدونهم هم خير منكم لأنهم تقربوا إلى الله وحده وخافوه ورجوه فكيف تدعونهم وتعبدونهم وهم كانوا يعبدون الله وحده ...فالأولى ماذا ؟ تدعونهم أم تدعون الله ؟
ودليل الأشجار والأحجار قوله تعالى ((أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى)) [ النجم:19 ] ((وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى)) [لنجم:20 ]
وحديث أبى واقد الليثى رضى الله عنه قال : " خرجنا مع النبى صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم "
أى انهم خرجوا فى غزوة حنين مع النبي صلي الله عليه و سلم و هم حدثاء عهد بكفر : أى انهم قد اسلموا منذ أيام قليلة و بقى لديهم أشياء من عادات الجاهليه ..
" وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم " : ذُكـِر ذلهم أن المشركين فى هوزان لهم شجرة يأتون إليها ويجعلون فيها خيوط أو حبال يعلقون فيها أسلحتهم ويقولون أن هذه تمنحهم البركة ،، وأن هذا السيف أو الرمح أو القوس إذا علق فى هذه الشجرة تنالهم بركة هذه الشجرة وتكون له قوة فى القتال ،، فهؤلاء الصحابة الذين أسلموا جديداً ظنوا أن هذا جائزفطلبوا أنواط كما لهم ذات أنواط مثل المشركين
فأنكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بشدة وقال " الله أكبر إنها السنن قلتم ، والذى نفسى بيده كما قالت بنو اسرائيل لموسى ، اجعل لنا آلهة كما لهم آلهة " فإن هذا الذى يحتج به مشركوا هذا الزمان ومشركوا زمان الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله إنما توجهوا إلى الصالحين ,والمشركين الأولين أيضاً توجهوا إلى الصالحين