Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Armco FX هي شركة وساطة واستثمار عالمية مرخصة ومتخصصة في أسواق المال العالمية.
برنامج مدرستي نت - عصر التحول الرقمي
العسل الحر

منتديات الشريف التعليمية

الكتب الكتب

موضوع مغلق
في كتابه الصادر حديثاً (دبلوماسي من طيبة)
في كتابه الصادر حديثاً (دبلوماسي من طيبة)
قديم منذ /05-08-2009, 06:24 PM   #1 (permalink)

مشرف سابق

مرشدة 2006 غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 207686
 تاريخ التسجيل : Mar 2007
 المشاركات : 5,717
 النقاط : مرشدة 2006 is on a distinguished road

افتراضي في كتابه الصادر حديثاً (دبلوماسي من طيبة)

في كتابه الصادر حديثاً (دبلوماسي من طيبة)
د. نزار عبيد مدني يروي تجارب حياته الدراسية والعملية


نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةإعداد - تركي إبراهيم الماضي

صدر لمعالي وزير الدولة للشؤون الخارجية الدكتور نزار عبيد مدني كتاب (دبلوماسي من طيبة .. محطات في رحلة العمر) واستعرض المؤلف على مدى أكثر من 400 صفحة سيرة حياته التي ابتدأت من المحطة الأولى المدينة المنورة (الجذور) (1360 - 1380)، وعن هذه المرحلة يقول فيها:

المحطة الأولى المدينة المنورة (الجذور)

لقد كان من حسن حظي أن تكون ولادتي ونشأتي في طيبة الطيبة، مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أحببتها وأحبها المسلمون كما لم تُحب مدينة غيرها في أي مكان آخر في العالم، هذه المدينة التي لا تحمل اسماً واحداً خاصاً بها، فهي المدينة فحسب، كأنما بقية الأرض قرى، وكأنما الدنيا سواها صحار جرداء، وحسبها أنها مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم التي التقت فيها سيول لا تقاس من الحب، وأنهار لا تعد من الحنين، المدينة التي تضم في مسجدها روضة من رياض الجنة، وعلى أطرافها جبل من جبال الجنة يحبنا ونحبه، ومسجد أسس على التقوى، ومرقد سيد الشهداء، وبقيع الغرقد. على أن حسن حظي لم يقتصر على انتمائي إلى طيبة الطيبة، بل زاد عليه إن شاء الله أن يكون مولدي في إحدى دورها التي كانت تقع في قلب المدينة النابض في ذلك الحين وعلى مقربة من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كما كان من دواعي فخري واعتزازي الانتماء إلى أسرة مدنيّة الجذور، هاشمية النسب، ذاع صيتها بسبب قصر اهتماماتها على طلب العلم والثقافة والأدب، وبمنأى عن مظاهر الثروة المادية وبهرجة المناصب، وعلا قدرها وترسخت مكانتها في المجتمع ومحبتها بين الناس بما عُرف عن أفرادها من استقامة في المسلك، وحسن في الخلق، وأدب في التعامل والسمعة الطيبة بين الناس.

إن اهتمامي بالحديث عن المدينة التي نشأت فيها، والبيت الذي وُلدت فيه، والأسرة التي تربيت في كنفها له ما يُبرره، ففي يقيني انه مهما تعددت خبرات الإنسان وتجاربه في الحياة، ومهما اكتسب من معارف وحمل من شهادات وارتقى في مناصب، فإن السنوات الأولى من العمر، وما يحيط بها من ظروف، وما يسودها من أجواء، وما يكتنفها من تجارب، وما تتميز به من أسلوب في التربية والتنشئة والتوجيه، كل ذلك يُعد بمثابة المفتاح - إن صح التعبير - لشخصية الإنسان، أو - إن شئت فقل - الإطار الذي تتشكّل في حدوده الخصائص الأساسية التي ترسم معالم تلك الشخصية، وتحدد منهاجها في الحياة، وتعبر عن ماهية توجهاتها، ونوعية مشاعرها، وكوامن أحاسيسها.

ولا أخال أحداً يستطيع أن يلومني إن أطلت في الحديث عن مدينتي، أو أسهبت في الكلام عن بيتي، فهما ليسا من مكونات شخصيتي فحسب، ولكنهما ذاتا خصوصية متفردة، فلا المدينة كسائر المدن، ولا البيت كسائر البيوت.

المحطة الثانية القاهرة (التحول)

1379هـ - 1959م - 1384هـ - 1964م

وفي هذه المرحلة جاءت نتائج امتحان الثانوية العامة (قسم أدبي) في ذلك العام 1380هـ - 1960م لتعزز وتنعش تلك التطلعات والرغبات، وجاء ترتيب معالي الدكتور نزار مدني الأول على مستوى المملكة وما صاحبه من فرحة عارمة ومشاعر لا توصف من التفاؤل إيذاناً بأنّ الحلم يوشك أن يصبح حقيقة، وأن الرؤى والهواجس يمكن أن تأخذ طريقها إلى التنفيذ ... ويكمل المؤلف حديثه عن تلك المرحلة ويقول:

في صيف عام 1380هـ الموافق لعام 1960م وصلت إلى مصر بهدف الالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة والحصول على شهادة البكالوريوس في تخصص (العلوم السياسية). لم يصاحب وصولي إلى القاهرة وبدء المرحلة الانتقالية التي شهدت تحوّلي من تلميذ ثانوي إلى طالب جامعي، ومن صبي مراهق إلى فتى يافع في مقتبل الشباب، ومن العيش في كنف الوطن ودفئه إلى الحياة في خارج الوطن وتحدياتها، ومن اعتماد مطلق على الأسرة وعدم شعور بالمسؤولية إلى نوع من الاستقلالية المحدودة والاعتماد على الذات .. أقول إن هذه المرحلة الانتقالية لم يواكبها أو يصاحبها الشعور بالضيق والوحشة والغربة، أو الإحساس بالصدمة الحضارية (Cultural Shock) أو ما شابه ذلك من المشاعر والأحاسيس التي تنتاب كل من يتعرض لتجربة مشابهة وفي ظروف مماثلة.

تفسير ذلك يكمن في عدة أسباب منها أنني لم أكن غريباً على مصر، ولم تكن مصر غريبة عليّ، فبعد أول رحلة قمت بها للقاهرة حينما كنت في حوالي الثالثة أو الرابعة من العمر توالت الرحلات والزيارات مع الأسرة بغرض الاصطياف والاستجمام. كانت زيارة مصر في تلك الأيام تمثل حدثاً غير عادي لدرجة اننا كنا نمضي أياماً وليالي بعد عودتنا نحكي فيها للزوار - وهم يستمعون إلينا بكل انبهار - ما شاهدناه من معالم وما حضرناه من مناسبات، وغير ذلك من أمور لم تكن مألوفة للكثيرين في المجتمع آنذاك.

حينما وصلت إلى القاهرة في هذه المرة أحسست في قرارة نفسي أن ثمة شيئاً ما قد تغير، لا أريد أن أحدد هنا طبيعة هذا التغير أو نوعيته، وعما إذا كان سلبياً أو إيجابياً، ولكن (نكهة) الستينيات في مصر - إن صح التعبير - ليست بالتأكيد هي (نكهة) الأربعينيات أو الخمسينيات. على الرغم من أن مصر ظلت كسابق عهدي بها - وكما يحلو لأهلها أن يطلقوا عليها - هي (أم الدنيا) و(أرض الكنانة) و(أحلى اسم في الوجود)، وظلت هي الأهرامات وأبو الهول ورمسيس وتوت غنخ آمون، وظلت هي (ملكة الحد الأوسط) أو هي (سيدة الحلول الوسطى) كما يقول جمال حمدان .. وسط في الموقع والدور الحضاري التأريخي، في الموارد والطاقة، في السياسة والحرب، في النظرة والتفكير، إلا انني إذا أردت ان ألخص في عبارة واحدة تجليات (النكهة) التي تميزت بها مصر، القاهرة بالتحديد، في عقد الستينيات، أو بالأحرى في النصف الأول منه، وذلك كما بدت لي في معايشتي ومعاصرتي لها في تلك الحقبة، فإني أقول انها .. مصر .. الأزهر والسيدة زينب والحسين، مصر .. الشيخ عبدالباسط عبدالصمد والشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ عبدالفتاح الشعشاعي، مصر .. طه حسين وعباس محمود العقاد وزكي نجيب محمود، مصر .. نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف السباعي وإحسان عبدالقدوس، مصر .. الأهرام والأخبار والجمهورية، مصر .. علي أمين ومصطفى أمين ومحمد حسنين هيكل، مصر .. شارع فؤاد وشارع سليمان باشا وشارع قصر النيل، مصر.. أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ، مصر .. كازينو الشجرة والكازينور وكازينو قصر النيل، وقهوة الفيشاوي، مصر .. دار المعارف ومكتبة الأنجلو ودار النهضة وكشك مدبولي في ميدان سليمان باشا، مصر .. فاتن حمامة وسعاد حسني ونادية لطفي، مصر .. التابعي والدمياطي والحاتي وأبو شقرة، مصر .. الأهلي والزمالك والترسانة، مصر .. سينما مترو وسينما كايرو وسينما ريفولي، مصر .. الاشتراكية والقومية العربية والوحدة والانفصال، مصر .. جمال عبدالناصر.

كان من الطبيعي ان يحظى موضوع قبولي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بأقصى درجات اهتمامي منذ وصولي إلى القاهرة، وقد أتممت كل الإجراءات اللازمة لذلك عن طريق ما كان يسمى آنذاك (مكتب التنسيق) وطفقت بعدها انتظر ظهور النتائج بالقليل من القلق والكثير من الثقة والاطمئنان باعتبار ان مجموع درجاتي والنسبة العالية التي حصلت عليها في امتحان الثانوية العامة تؤهلني للقبول مهما كان ارتفاع النسبة المطلوبة للقبول بالكلية، والتي كانت تتطلب بالفعل نسبة مرتفعة جداً.

المحطة الثالثة جدة (1) التأسيس

1385هـ (1965م) - 1388هـ (1968م)

في تلك المحطة وفور وصول معالي الدكتور نزار مدني إلى أرض الوطن قادماً من القاهرة بعد أن أنهى دراسته الجامعية بها، توجهه إلى المدينة المنورة حيث أمضى فيها مدة قصيرة من الزمن للسلام على والده وأهله وأخذ قسط من الراحة والاستجمام استعداداً لبدء خوض معركة المستقبل، ويتحدث عن هذه المرحلة بقوله:

كانت خطتي في بداية الأمر تقوم على أساس السعي بشتى الوسائل الممكنة إلى إكمال الدراسات العليا في الخارج والحصول على شهادتي الماجستير والدكتوراه في العلوم السياسية أو العلاقات الدولية قبل الالتحاق بوزارة الخارجية، وبعد التفكير والاستقصاء تبين لي ان أفضل الوسائل لتحقيق هذا الهدف هو العمل في الجامعة كمعيد (لم تكن هناك في تلك الأيام سوى جامعة واحدة في المملكة هي جامعة الملك سعود التي سميت فيما بعد جامعة الرياض ثم أعيد تسميتها جامعة الملك سعود)، حيث ان المعيدين يبتعثون للخارج لدراسة الدكتوراه بعد قضاء مدة محددة في الجامعة، وكان أول تحرك أجريته بعد عودتي إلى المملكة هو الاستفسار عن هذه الإمكانية، بيْد ان النتيجة التي توصلت إليها لم تكن مشجعة على الاطلاق، حيث علمت أن هناك وظيفة واحدة أو وظيفتين - لا أتذكر بالتحديد - شاغرتين في هذا التخصص، وان النظام يقتضي ان يتم شغل هذه الوظائف بناءً على التقدير الحاصل عليه المتقدم، وحيث ان هناك من تقدم لتلك الوظيفة ممن تخرجوا في جامعة الرياض في ذلك العام وحصلوا على تقدير (امتياز) (تقديري كان (جيد) كما أوضحت آنفا)، فإن معنى ذلك أن فرصتي في هذا المجال تغدو ضئيلة جداً.

بناءً على ذلك صرفت النظر عن هذه الوسيلة، ولكنني اهتديت بعد التفكير والتأمل والاستشارة إلى ان الحل الأمثل لتحقيق الهدف المنشود هو تأجيل موضوع إكمال الدراسات العليا إلى مرحلة ما بعد التعيين في وزارة الخارجية والانتقال للخارج للعمل بإحدى السفارات التي يمكن ان تتاح فيها إمكانية الدراسة.

كان من الطبيعي بعد ذلك ان أُولي وجهي شطر المدينة التي كانت تقع فيها وزارة الخارجية في تلك الأيام، وهي مدينة جدة، كان أول ما طرأ على ذهني حين وصولي إلى جدة قادماً بالسيارة من المدينة المنورة هو مقولة كنت قد سمعتها مؤداها أن المدن كالبشر .. يعشق الإنسان بعضها من أول نظرة، فلقد كان أول انطباع توفر لدي عن مدينة جدة هي أنها واحدة من تلك المدن التي تجبرك على أن تحبها من أول زيارة لها، لما تتميز به من حيوية، وجمال ساحر، وحركة دائبة لا تهدأ آناء الليل وأطراف النهار.

وعلى الرغم من أن محطة جدة (في الجزء الأول منها) كانت من أقصر محطاتي حياتي زمنياً، حيث ان مدة بقائي فيها لم تتجاوز ثلاث سنوات إلا انها حفلت بأحداث على جانب كبير من الأهمية وكانت بمثابة نقاط تحول أساسية في حياتي، كما انها شهدت اتخاذ قرارات مصيرية ومفصلية كان لها أبلغ الأثر في مستقبل حياتي وتحديد مسارها وطبيعتها، وأخص منها بالذكر القرار الخاص بتحديد جهة العمل الذي اخترته لنفسي، والقرار الخاص بالزواج واختيار شريكة الحياة.

على انني قبل ان أبدأ في سرد التفصيلات الخاصة بهذين القرارين الحاسمين واشرح الملابسات التي ساعدت على التوصل إليهما، وظروف المخاض الذي أدى إلى اتخاذهما، أود ان اطلع القارئ الكريم على ملامح وفحوى النظرية التي كونتها في ذهني على مدى السنين حول كيفية صناعة القرار في داخل العقل البشري .. بمعنى آخر: ما هو الأسلوب أو العملية التي يتم من خلالها إصدار القرارات في حياة الإنسان، وخاصة القرارات المصيرية والحاسمة؟ كيف يتم التوصل إلى مثل تلك القرارات؟ كيف يتسنى اتخاذ القرار السديد والصائب والموفق وتجنب القرار الخاطئ والسيئ والمسيء؟

نقطة الانطلاق في هذه النظرية هو: مبدأ أو مفهوم (التوازن) فالتوازن في نظري سمة أساسية من سمات الكون الذي نعيش فيه، وهو يتجلى في أوضح صورة وأعمق دلالة في الفضاء الواسع الهائل الذي يحيط بالكون والذي تسبح فيه ملايين الملايين من الأجرام الضخمة، فلا يلتقي فيها اثنان، ولا تصطدم مجموعة منها بمجموعة، على الرغم من ان عدد المجموعة الواحدة يبلغ أحياناً ألف مليون نجم .. وكل هذه النجوم وكل هذه المجموعات تجري في الكون بسرعات فائقة، ولكنها في الفضاء الهائل ذرات سابحة متباعدة لا تلتقي ولا تتصادم.

\

المحطة الرابعة واشنطن التأهيل

1388هـ (1968م) - 1398هـ (1978م)

في تلك المرحلة صدر القرار الخاص بنقل معالي الدكتور نزار مدني للعمل في السفارة في واشنطن وانتابه في ذلك اليوم شعور غريب امتزج فيه التوجس والرهبة بالتشوف والتطلع، ويقول:

خضت خلال السنوات العشر التي أمضيتها في واشنطن ثلاث تجارب بشكل متزامن، أو ان شئت فقل: عشت ثلاثة (عوالم) في آن واحد: عالم الدبلوماسي الذي ساقته الأقدار إلى العمل في عاصمة تموج بالحركة والنشاط، وتعج بالإثارة والتشويق، وعالم طالب العلم الذي يتلهف إلى تحقيق حلمه الذي ظل يراوده منذ نعومة أظفاره، وإلى الاستفادة من البيئة الثقافية والعلمية الثرية التي توفرت له لكي ينمي قدراته الفكرية وإمكاناته البحثية والدراسية، وعالم السائح الذي يتطلع إلى التعرف على هذه الدنيا الجديدة التي يسمونها (أمريكا) وسبر أغوارها واستكشاف معالمها، وفهم نظامها وتجربتها التي أراد صانعوها تصديرها للعالم القديم والعالم المتخلف بالغزو الثقافي أو العلمي أو الإعلامي - سمِّه ما شئت - تارة، وبالأسلوب العسكري بقوة السلاح تارة أخرى. لم يكن الجمع بين هذه (العوالم) شيئاً سهلاً أو يسيراً، كان ولابد ان يتطلب شيئاً من التضحية حيناً، وقليلاً من التنازل حيناً آخر، وكثيراً من التحدي في جميع الأحيان، ومع هذا فقد كنت سعيداً بخوض هذه التجارب وصهر (العوالم) الثلاثة في بوتقة واحدة، مع التأكيد على إعطاء كل (عالم) منها ما يستحقه من اهتمام، وما هو جدير به من عناية.

كان استمتاعي بعالم الدراسة والتحصيل العلمي مساوياً وموازياً لاستمتاعي بعالم العمل والوظيفة، خاصة لوجود تكامل واضح بين (العالمين) باعتبارهما يمثلان وجهين لعملة واحدة، فممارسة العمل الدبلوماسي لا تستقيم إذا لم يدعمها تفهم كامل للمرتكزات النظرية التي تقوم عليها العلاقات بين الدول من جهة، والتي تستند عليها السياسة الخارجية لدولة من الدول من جهة أخرى، وكذلك فإن الدراسات النظرية للعلوم السياسية والعلاقات الدولية تغدو أكثر أهمية وأعظم فائدة حتى يتسنى الاستفادة منها في الممارسات العملية والتطبيقات الواقعية في الحياة السياسية، كانت هذه الأفكار وما يدور حولها أو ينبثق منها ويتصل بها تعتمل في خاطري وتجول في ذهني منذ ان تخرجت في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية والتحقت بعدها بالعمل في وزارة الخارجية، وهذا ما جعلني أشعر في أول يوم وصلت فيه إلى واشنطن بأنّ ساعة الصفر التي كنت أتطلع إليها منذ أمد بعيد قد حانت، وأعني بذلك ان فرصة استكمال الدراسات العليا التي كنت أتوق إليها وأحلم بتحقيقها قد آن أوانها ومن ثم فلابد من اغتنامها والحرص على عدم اضاعتها أو التفريط فيها مهما كلف الأمر، لذلك فقد سارعت إلى الالتحاق ببعض الدورات المكثفة لدراسة اللغة الإنجليزية واجتياز امتحانات القبول الخاصة بالدراسات العليا، وكذلك بادرت بتقديم أوراقي لبرنامج الماجستير في كلية العلاقات الدولية بالجامعة الأمريكية.

المحطة الخامسة جدة (2) الانطلاقة

1398هـ (1978م) - 1404هـ (1984م)

عاد المؤلف إلى الوطن بوضع مغاير تماماً وبشخصية مختلفة كل الاختلاف، ويتذكر معالي الدكتور نزار عبيد تلك المرحلة من حياته ويقول:

عدت مزوداً برؤية واضحة ومحددة لحاضري ومستقبلي، عدت مسلحاً بشهادات عليا حققت طموحاتي وأرضت تطلعاتي وأكسبتني فهماً أعمق وإدراكاً أشمل، ليس فقط لجوانب ومجريات المهنة التي اخترت ان أزاولها، بل ولحقائق وواقع العلاقات الدولية التي تدور في فلكها السياسة الخارجية لبلادي، عدت مدعوماً بثقة راسخة في النفس، واعتماد كبير على الذات، وشعور متزايد بالمسؤولية، تعلمت خلال المدة التي قضيتها في الخارج كيف أدير شؤوني بنفسي وبدون الاعتماد على سواي، على سبيل المثال تعلمت كيف يجب ان أوازن بين وارداتي ومنصرفاتي، وكيف يجب ان أحكم السيطرة على ميزانيتي الخاصة، وأتمكن من العيش في حدود دخلي ومواردي المالية المتاحة والمحدودة وبطريقة استطيع بها ان ألبي الحاجات والمتطلبات الخاصة بي وبأسرتي إلى أقصى حدود الامكان بدون الحاجة إلى الاقتراض الشخصي أو حتى اللجوء إلى التقسيط ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

وبالقدر الذي كنت أكره فيه الاقتراض أو الدين، والذي هو بالفعل كما يقال: هم في الليل ومذلة في النهار، كنت ولازال لا ارتاح إلى الإقراض للغير. كان مبدئي الأثير (لا اقتراض ولا إقراض).

على هذا النهج سرت طوال عمري، مع ميل ملحوظ إلى قلة في الإنفاق على نفسي ومتطلباتي الخاصة، فكل ما احصل عليه له وجهان فقط للإنفاق: أهل بيتي والكتب، ولو رآني احد في بعض المواقف الشخصية للمس بخلاً عجيباً في الإنفاق على نفسي وكأنني استخسر إنفاق ريال أو قرش، فإذا رآني أمام الإنفاق على اهل بيتي بما يدخل السعادة إلى قلوبهم ويؤمن لهم ما يشتهون من ملبس ومأكل ومتعة، او إذا رآني أمام هذا الكتاب أو ذاك مما قد يتطلب ثمناً مرتفعاً فإني لا أفكر ولا أتردد في كلتا الحالتين، وأدفع راضي النفس وكأنني فزت بمغنم يحسدني عليه الناس.

وأخيراً وليس آخراً عدت إلى الوطن مصحوباً بأسرة صغيرة لم تكتف بأن تشيع في حياتي أجواء من السعادة والحب والطمأنينة، ولم تقتصر على ملء الفراغ العاطفي والنفسي الذي عشته إلى ان رزقني الله الزوجة الصالحة والأبناء البررة، بل إنها بعد هذا وذاك ساعدت على صقل شخصيتي ونضوجها وتنمية قدرتي على تحمل المسؤولية وهو ما كان يمثل بالنسبة لي نقلة نوعية في بناء شخصيتي المستقلة، آخذاً في الاعتبار الظروف التي نشأت وتربيت في كنفها والتي أدت إلى اعتمادي الكامل على الآخرين في كافة شؤوني وأموري الحياتية والمعيشية.

هذا ما كان من شأن التغير الذي طرأ على شخصيتي وأوضاعي الخاصة، أما بالنسبة للتغير الذي طال المملكة بصفة عامة وأثر على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، فقد كنت اسمع عنه وأتابع تطوراته أثناء إقامتي في أمريكا، التقطت أذناي لأول مرة وأنا هناك مصطلحاً جديداً لم أسمع به من قبل يقال له (الطفرة) والذي تم اطلاقه وصفاً لتلك التغيرات وتعبيراً عن شكلها ومضمونها، كنت اسمع ان شيئاً ما يحدث في البلد ولكن انهماكي في العمل وفي الدراسة وفي الحياة اليومية بكل شؤونها وشجونها صرفني عن تقصي ودراسة كنه ما يحدث، ومتابعة تطوراته، وفهم أبعاده، ولكنني حينما عدت إلى الوطن أحسست على الفور بحجم التغير وعمقه ومداه ليس فيما يتعلق بالمظاهر المادية والشكلية فحسب، ولكن بالنسبة لما أحدثه من تأثير في نفسية المجتمع وتصرفات افراده وطبيعة علاقاتهم الاجتماعية، تبين لي ان التطورات الاقتصادية التي شهدتها المملكة منذ بدء ما تم التعارف على تسميته بمرحلة الطفرة وما صاحبها من تدفق للثروة بشكل غير مسبوق على إثر الارتفاع الكبير في أسعار البترول بعد عام 1973م كان لها تأثيرات ملحوظة على كافة أوجه الحياة، وكان من الطبيعي ان تحمل تلك التطورات معها مجموعة من القيم والأفكار والأنماط التي أدى تفاعلها مع مجموعة القيم والأفكار والأنماط السائدة إلى انعكاسات ملموسة على التركيبة الاجتماعية والنفسية للمجتمع.

أثرت تلك التطورات على مفهوم المجتمع لماهية الثروة ومفهومه عن العمل وعن الزمن وعن العلاقات الاجتماعية المختلفة، في نفس الوقت الذي أدت فيه من جانب آخر إلى نمو واتساع مجالات الإنفاق سواء على مستوى الدولة أو على مستوى الأفراد، وإلى تعرض أنماط الاستهلاك إلى تغييرات جذرية، وإلى نشوء علاقات اجتماعية جديدة، وكذلك الحال بالنسبة للبنى التحتية والفوقية للمجتمع، وبخاصة ما يتعلق ببداية الاتجاه نحو جذب أعداد كبيرة من العمالة بمختلف أنواعها ومستوياتها للإقامة والاختلاط بالمجتمع .

المحطة السادسة الرياض (الحصاد)

1404هـ (1984م)..

يتحدث معالي الدكتور نزار عبيد عن هذه المرحلة ويقول:

لم يكن يخطر ببالي أو يقع في دائرة تخيلي ونطاق تصوري، أن يمتد مكوثي في هذه المحطة السادسة من محطات مسيرة حياتي ومراحل عمري مدة تجاوزت ربع قرن من الزمن، حينما انتقلت إلى مدينة الرياض كنت أظن ان الأمر لن يتعدى سنتين أو ثلاثاً سوف تجبرني طبيعة عملي بعدها على الانتقال مرة أخرى للخارج، خاصة انني كنت قد أمضيت ست سنوات في الديوان العام بالوزارة بعد انقضاء مدة (النقلة) الأولى التي شهدتها حياتي الدبلوماسية والتي عملت فيها مدة عشر سنوات في سفارتنا بواشنطن، لم أكن أظن أو أتخيل انني سأمضي خمسة وعشرين عاماً في الحياة والعمل بمدينة الرياض لتصبح بذلك أطول مدة قضيتها في حياتي في مدينة واحدة منذ ان أبصرت عيناي النور لأول مرة في (بيت السوق) بالمدينة المنورة عام 1360هـ (1941م).

بيْد انه لابد هنا من المسارعة إلى القول انني لم أندم أو أأسف على يوم واحد أو شهر واحد أو سنة واحدة من الأيام والشهور والسنين التي قضيتها في الرياض خلال تلك السنوات الخمس والعشرين، لم يكن غريبا إذن ان يقع اختياري على كلمة (الحصاد) لأصف بها هذه المرحلة من مراحل عمري، والتي تمكنت في غضونها بالفعل من جني الثمار التي ما فتئت اعمل على غرس بذورها فيما سبق من مراحل ومحطات، لم يقتصر الأمر على قدرتي في هذه السنوات الحافلة على تحقيق طموحاتي وبلوغ أمنياتي، بل وحتى الوصول إلى ما هو أبعد من الأهداف التي وضعتها نصب عيني منذ أن بدأت التفكير والتخطيط للمستقبل، بل تعداه إلى تمتعي - ولله الحمد - طيلة تلك السنوات بحياة مستقرة هانئة حفلت بالكثير من الأحداث والمناسبات السعيدة على الصعيد العائلي والشخصي، واتسمت بالكثير من الإنجاز والعطاء والسير في دروب الحياة ومنعرجاتها في أجواء من راحة البال وهدوء الخاطر والاستقرار النفسي والذهني، بعيداً عن المنغصات والمكدرات، وبمنأى عن مظاهر التوتر والقلق والتوجس، وبمعزل عن المشكلات بنوعيها اللذين اوضحتهما في الفصل السابق، وان كان الأمر لا يخلو بطبيعة الحال من بعض الاستثناءات التي لا مناص من ان يتعرض لها الإنسان بين حين وآخر في حياته اليومية.

في شهر ذي الحجة عام 1404هـ (سبتمبر 1984م) وصلت مع أسرتي إلى مدينة الرياض. لم تكن تلك هي المرة الأولى التي أزور فيها هذه المدينة حيث كانت أولى زياراتي لها في عام 1384هـ (1965م) بعد تخرجي في الجامعة وقبل تعييني في وزارة الخارجية، وأقمت فيها أسبوعاً كاملاً في ضيافة سيدي الأخ غازي الذي كان يعمل آنذاك في المؤسسة العامة للبترول والمعادن (بترومين)، لمست منذ الوهلة الأولى اختلافاً كبيراً بين الحالة التي كانت عليها مدينة الرياض عام 1384هـ (1965م)، والحالة التي آلت إليها المدينة حين وصلتها في عام 1404هـ (1984م)، لم تكن العين لتخطئ التطور الملموس الذي حدث في غضون العشرين عاماً التي خلت غير أن الجديد في الأمر هذه المرة هو أنني اكتشفت منذ اليوم الأول لوصولي عدداً من المشاهد والدلائل التي تؤكد ان المدينة تستعد لبدء عهد جديد من التطور لم تشهده قط من قبل في تاريخها.

كانت المدينة بأسرها في تلك الأيام ورشة عمل أو خلية نحل يجري فيها على قدم وساق تنفيذ المشروعات وتشييد الطرق والجسور والأنفاق وإقامة المرافق والخدمات العامة، كان كل شيء يوحي ويدل بوضوح على ان شيئاً كبيراً وضخماً ومهماً سيحدث في هذه المدينة في غضون السنوات القادمة، وهذا ما تم بالفعل حيث ان مدينة الرياض شقت طريقها لتصبح انموذجاً للمدن العالمية الحديثة المتطورة والمترامية الأطراف والأبعاد، والتي تحظى بعناية ورعاية أهلتها لتغدو على النحو الذي نراه اليوم.

لم يقتصر الأمر على المشروعات والمرافق العامة والبنى التحتية، بل ان الرياض غدت مقصد الباحثين عن تحقيق الطموحات، والتطلع نحو المستقبل الواعد، وتحويل الأحلام الوردية إلى حقائق ووقائع.












التوقيع
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

اللهم إنا نسألك باسمك الاعظم أن تحفظ مليكنا خادم الحرمين الشريفين لنا وللأمة الإسلامية ملكا عادلا وقائدا مظفرا وإماما موفقا.يارب يارب يارب استجب دعائنا :1098_p39022::1098_p39022:



الموقع الشامل لتطوير المناهج
 

في كتابه الصادر حديثاً (دبلوماسي من طيبة)
قديم منذ /14-10-2009, 04:11 AM   #2 (permalink)

موقف من قبل الادارة

daiven2009 غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 416451
 تاريخ التسجيل : Sep 2009
 الجنس : ~ MALE/FE-MALE ~
 المشاركات : 32
 النقاط : daiven2009 is on a distinguished road

Lightbulb ````yes==








 
في كتابه الصادر حديثاً (دبلوماسي من طيبة)
قديم منذ /21-10-2009, 07:37 PM   #3 (permalink)

عضو ذهبي

رياض بن خضران غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 49757
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,626
 النقاط : رياض بن خضران is on a distinguished road

افتراضي

أشكرك جدا
تعجبني كتب السيرة الذاتية
لما فيها من تجارب تفيد على المدى البعيد
بارك الله فيك








التوقيع
حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله إنا إلى الله راغبون
 
في كتابه الصادر حديثاً (دبلوماسي من طيبة)
قديم منذ /25-12-2009, 10:47 PM   #4 (permalink)

عضو فعال

ملح ساسا غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 457774
 تاريخ التسجيل : Dec 2009
 الجنس : ~ MALE/FE-MALE ~
 المشاركات : 32
 النقاط : ملح ساسا is on a distinguished road

افتراضي

يعطيك العافية








 
في كتابه الصادر حديثاً (دبلوماسي من طيبة)
قديم منذ /18-02-2010, 05:49 AM   #5 (permalink)

مشرف سابق

مرشدة 2006 غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 207686
 تاريخ التسجيل : Mar 2007
 المشاركات : 5,717
 النقاط : مرشدة 2006 is on a distinguished road

افتراضي

تشرفت بمروركم الكريم








التوقيع
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

اللهم إنا نسألك باسمك الاعظم أن تحفظ مليكنا خادم الحرمين الشريفين لنا وللأمة الإسلامية ملكا عادلا وقائدا مظفرا وإماما موفقا.يارب يارب يارب استجب دعائنا :1098_p39022::1098_p39022:



الموقع الشامل لتطوير المناهج
 
موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

جامعة نجران

Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
الساعة الآن 10:34 AM

  • روابط هامة
  • روابط هامة
LinkBack
LinkBack URL LinkBack URL
About LinkBacks About LinkBacks

SEO by vBSEO 3.6.1