Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Armco FX هي شركة وساطة واستثمار عالمية مرخصة ومتخصصة في أسواق المال العالمية.
برنامج مدرستي نت - عصر التحول الرقمي
العسل الحر

منتديات الشريف التعليمية
العودة   منتديات الشريف التعليمية > المنتديات العامة > المنتدى العام

المنتدى العام يمكنكم في هذا القسم المشاركة في كافة المواضيع التي تهم التعليم وغيره

موضوع مغلق
زعــــل الإخـــاء"! قبسات وهمسات.. نفحات ولفحات في زمن زاد فيه "دبيب البغضاء"!
زعــــل الإخـــاء"! قبسات وهمسات.. نفحات ولفحات في زمن زاد فيه "دبيب البغضاء"!
قديم منذ /07-02-2011, 08:28 AM   #1 (permalink)

عطاء بلا حدود
 
الصورة الرمزية المفكر التطويري

المفكر التطويري غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 280415
 تاريخ التسجيل : Feb 2008
 الجنس : ~ MALE/FE-MALE ~
 المكان : الريــاض
 المشاركات : 4,439
 النقاط : المفكر التطويري is on a distinguished road

افتراضي زعــــل الإخـــاء"! قبسات وهمسات.. نفحات ولفحات في زمن زاد فيه "دبيب البغضاء"!

زغل الإخاء..!
(الحلقة الأولى.....فضول العدول !)
بقلم خالد عبداللطيف
قبسات وهمسات.. نفحات ولفحات.. في زمن زاد فيه "دبيب البغضاء"! مدارها: شوائب تكدّر الصفاء، وتشوّه وجه الإخاء! ومدادها: قطرات ندى للأخلاّء.. وعبرات من عيون الأوفياء!
******************************************

قبسـات
"الفضول" - ما لا فائدة فيه. واشتغال المرء أو تدخله فيما لا يعنيه.
وأما "العدْل" ضد الجور،
كم من مغمور بين الناس صان نفسه عن آفة الفضول، والتطلع لما لا يعنيه من شؤون؛ فعظم شأنه في نفوس الناس بذلك، فيما تصاغر آخرون.. منهم من يشار إليهم بالبنان ؛ بانزلاقهم في مهاوي هذه الآفة؛ واقتحامهم في أسرار الناس وخاصة أمرهم بتساؤلات يجيبونهم عنها بسيف الحياء، ثم ينفضون عنهم وقد شوّه الفضولُ صورة العدول البيضاء النقية في مخيلاتهم!
وهكذا اجتمعت مع آفة حصول الفضول من عدل قدوة: آفة تسليط سيف الحياء على ألسنة الناس؛ لتلقي للفضولي بكلمات تطفئ أو تخفف نار فضوله؛ وفي مأثور الحكمة: "ما أخذ بسيف الحياء فهو غصب"!
******************************************
وبسيف الإخــاء..!
ويزداد ألم النفس وتوجعها حين تلقي هذه الآفة بظلال قاتمة على آصرة الأخوة الكريمة!
فيالله العجب من إخوان ومتحابين يحسبون من حقهم على إخوانهم وأحبابهم في الله: أن يكون سرهم وعلانيتهم لهم سواء، وألا يكون لأمر لهم دونهم خفاء!
والأعجب أن يُنظر إلى المتعفف عن الفضول والتطلع إلى خفايا حياة الناس على أن فيه جفاءً وانقباضا وإحجاماً، دون تفريق بين ما يليق وما لا يليق! فشتان بين التواصل وتفقد أحوال الأصحاب، وبين التطفل على أسرار دونها ستر وحجاب!
ولله در القاضي الثقة "علي الجرجاني"، الذي أثنى عليه الإمام الذهبي في ترجمته له في "سير أعلام النبلاء"، ووصف أبياتاً له بـ"الفائقة" يقول فيها مما له صلة بموضوعنا؛ من التعفف عما لا يعني المرء، ولزومه عزة النفس، في فوائد أخرى رائقة مستطابة:
يقولون لي: فيك انقباض وإنما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما

أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس أكرما
ولم أقض حق العلم إن كنت كلما بدا طمع صيرته لي سلما
وما زلت منحازاً ببعضي جانباً عن الذل أعتد الصيانة مغنما
إذا قيل: هذا منهل، قلت: قد أرى ولكن نفس الحر تحتمل الظما
أنزهها عن بعض ما قد يشينها مخافة أقوال العدا: فيم أو لمِا
فأصبح عن عيب اللئيم مسلماً وقد رحت في نفس الكريم معظما
إلى أن قال رحمه الله تعالى:
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما
******************************************
ما بال أقوام..؟!
إنه حديث ذو شجون عن صفة تخدش المروءة، وتشين القدوة، وقد تتجاوز وتتعدى إلى الإثم!
فما بال أقوام يفرّطون في مروءتهم بشروى نقير من فضول وتطلع واستشراف لما لا يعنيهم؟!
هذا مع كونها خصلة مذمومة ينحاز الحر بعرضه عنها، وقد ذمّهاَ السلف – رحمهم الله تعالى – وأصحابها، قال القرطبي – رحمه الله – في تفسيره: "قال ابن عون: سألت نافعا عن قوله تعالى: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ..} فقال: لم تزل المسائل منذ قط تكره. روى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات وكره لكم ثلاثا: قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال"... وقيل: المراد بكثرة المسائل: السؤال عما لا يعني من أحوال الناس؛ بحيث يؤدي ذلك إلى كشف عوراتهم والاطلاع على مساوئهم.." (انتهى مختصرا).
******************************************
حَسِّن إسلامك..!
أما ابن رجب فقد أبدع في ربط التحرر من أسر هذه الآفة بحسن الإسلام، عند شرحه لحديث"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه في جامع العلوم والحكم فقال - رحمه الله تعالى –:
"ومعنى هذا الحديث: أنَّ من حسن إسلامه تَرك ما لا يعنيه من قول وفعل، واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعال. ومعنى يعنيه: أنْ تتعلق عنايتُه به، ويكون من مقصده ومطلوبه، والعناية: شدة الاهتمام بالشيء، يقال: عناه يعنيه: إذا اهتمَّ به وطلبه، وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس، بل بحكم الشرع والإسلام، ولهذا جعله من حسن الإسلام، فإذا حَسُنَ إسلامُ المرء، ترك ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال والأفعال..".
إلى أن قال: "وإذا حسن الإسلام اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات والمشتبهات والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها، فإنَّ هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامهُ، وبلغ إلى درجة الإحسان، وهو أنْ يَعْبُدَ الله تعالى كأنَّه يراه، فإنْ لم يكن يراه، فإنَّ الله يراه" انتهى كلامه رحمه الله.
وأكّـد العلامة محمد بن صالح العثيمين في شرح الأربعين النووية هذا الارتباط بين حسن الإسلام وترك ما لا يعني المرء، وفي المقابل: دلالة كثرة اشتغال المرء بما لا يعنيه على ضعف إسلامه! فذكر – رحمه الله تعالى – ضمن فوائد هذا الحديث:
*أن ترك الإنسان ما لا يهتم به ولا تتعلق به أموره وحاجاته منْ حسن إسلامه.
* أن من اشتغل بما لا يعنيه فإن إسلامه ليس بذاك الحسن، وهذا يقع كثيراً لبعض الناس فتجده يتكلم في أشياء لا تعنيه، أو يأتي لإنسان يسأله عن أشياء لا تعنيه ويتدخل فيما لا يعنيه، وكل هذا يدل على ضعف الإسلام.
* أنه ينبغي للإنسان أن يتطلب محاسن إسلامه فيترك ما لا يعنيه ويستريح، لأنه إذا اشتغل بأمور لاتهمّه ولا تعنيه فقد أتعب نفسه!
******************************************
جزاء الفضولي..!
لا يلومنّ من أهان نفسه وأضاع وقاره بإدمان الفضول إلا نفسه.. إذا لحقه ما قد يلحق أهلها من هوان ومذلة؛ فالجزاء من جنس العمل، وقد قيل: "من طلب ما لا يعنيه نال ما لا يرضيه"!
بل لعل في صدّ الفضوليين عما يستشرفون إليه بحكمة وحنكة من كل لبيب عاقل نهياً لهم عن هذه الآفة يردعهم عن مقارفتها أو بعض ذلك؛ حفظاً لماء وجوههم!
ولهذا جاء في بعض نصائح المعاصرين الطريفة:
من فاجأك بسؤاله عن مقدار مالك أو دخلك ونحو ذلك... فابتسم وقل: ولماذا تريد أن تعرف؟!
وخير من ذلك وأهدى سبيلاً درس من قدوة المربين أجمعين، خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم، لمن سأله: متى الساعة؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: "ما أعددت لها؟ " (كما في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه).
ففي ذلك توجيه لصرف المرء عن تطلعه لما لا ينفعه.. إلى ما ينفعه، فما أوجزها من تربية نبوية بليغة!
******************************************
الفضول المقبول..!
ولا يُشكل على مسلم في هذا الشأن أمر لو سمّي لغة بالفضول لكان جديرا بوصف "الفضول المقبول"، بل المحمود الجليل!
إنها الشعيرة العظيمة لأمة الخيرية؛ التي ينقلب بها الفضول المذموم إلى عمل نبيل كريم، ينقذ سفينة المجتمع من الغرق والهلاك: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"!
قال العلامة ابن عثيمين في شرح الأربعين:
"وهنا قد يَرِدُ إشكالٌ، وهو: هل ترك العبد ما لا يعنيه هو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
والجواب: لا، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يعني الإنسان، كما قال الله عزّ وجل: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران: 104) فلو رأيت إنساناً على منكر وقلت له: يا أخي هذا منكر لا يجوز. فليس له الحق أن يقول: هذا لا يعنيك، ولو قاله لم يقبل منه؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني الأمة الإسلامية كلها.
ومن ذلك أيضاً: ما يتعلق بالأهل والأبناء والبنات فإنه يعني راعي البيت أن يدلّهم على الخير ويأمرهم به ويحذرهم من الشر وينهاهم عنه. قال الله عزّ وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ..} (التحريم: 6)..".
******************************************
فاللهم ارزقنا حسن الإسلام، وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
يتبع
الحلقة الثانية العسل المسموم








التعديل الأخير تم بواسطة محبوووووب ; 30-03-2011 الساعة 01:00 AM سبب آخر: خطأ املائي بطلب من الكاتب جزاه الله خيرا
 

زعــــل الإخـــاء"! قبسات وهمسات.. نفحات ولفحات في زمن زاد فيه "دبيب البغضاء"!
قديم منذ /10-02-2011, 07:24 AM   #2 (permalink)

عطاء بلا حدود
 
الصورة الرمزية المفكر التطويري

المفكر التطويري غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 280415
 تاريخ التسجيل : Feb 2008
 الجنس : ~ MALE/FE-MALE ~
 المكان : الريــاض
 المشاركات : 4,439
 النقاط : المفكر التطويري is on a distinguished road

افتراضي

زغل الإخاء..!
(الحلقة الثانية العسل المسموم !)
بقلم خالد عبداللطيف
قبسات وهمسات.. نفحات ولفحات.. في زمن زاد فيه "دبيب البغضاء"! مدارها: شوائب تكدّر الصفاء، وتشوّه وجه الإخاء! ومدادها: قطرات ندى للأخلاّء.. وعبرات من عيون الأوفياء!
******************************************

قبسـات
قال الله تعالى: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} (الحجرات: 12)، وقال سبحانه {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} (الهمزة:1).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - لمن سأله: ما الغيبة؟ -: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته" (رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه).
******************************************

لذة الألسن وداء القلوب!
لم يُبعِد من قال: "الغيبة هي الداء العضال والسم الذي في الألسن أحلى من الزلال!"
فهي داء عضال يصعب الفطام عنه لمن أدمنها، وهي سم فتّاك لكنه حلو المذاق في اللسان، وإلا فكيف ومن أين يدخل الشيطان على الصالحين إن لم يكن للغيبة هذا الإغراء؟!
وهكذا.. مع تباعد الزمان، وشيوع الغفلة، واضمحلال النصيجة.. لم تعد "الغيبة" شعار مجالس المجاهرين بالعصيان؛ بل تفشت تفشيا ذريعا في مجالس المتآخين والمتحابين، وأصبحت "العسل المسموم" الذي يدور على موائدهم.
ولأن مداخل الشيطان على الصالحين فيها خفاء ودهاء؛ فإن الغيبة في مجالس المنتسبين للصلاح تلبس "ثياب زور"، وتخادع القائل والسامع؛ فيتداعى هذا إلى ذاك (ويحسبون أنهم مهتدون)، بل وتزيّن لهم أنفسهم في كثير منها أنهم في مقام صلاح وإصلاح!
******************************************
كلنا ذلك الرجل!
فنّد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بمقالة مبدعة، مع كونها موجعة لاذعة؛ لكنها للغارقين في اغترارهم نافعة رادعة؛ فقال رحمه الله في "مجموع الفتاوى":
"فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون أو فيه بعض ما يقولون; لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة وقد يغضبون فيغضب لغضبهم فيخوض معهم. ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى: تارة في قالب ديانة وصلاح، فيقول : ليس لي عادة أن أذكر أحدا إلا بخير ولا أحب الغيبة ولا الكذب; وإنما أخبركم بأحواله. ويقول: والله إنه مسكين، أو رجل جيد; ولكن فيه كيت وكيت. وربما يقول: دعونا منه، الله يغفر لنا وله; وإنما قصده استنقاصه وهضم لجانبه. ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة، يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقا; وقد رأينا منهم ألوانا كثيرة من هذا وأشباهه.
ومنهم من يرفع غيره رياء فيرفع نفسه فيقول: لو دعوت البارحة في صلاتي لفلان; لما بلغني عنه كيت وكيت. ليرفع نفسه ويضعه عند من يعتقده. أو يقول: فلان بليد الذهن قليل الفهم; وقصده مدح نفسه وإثبات معرفته وأنه أفضل منه.
ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد. وإذا أثنى على شخص أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح أو في قالب حسد وفجور وقدح؛ ليسقط ذلك عنه.
ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزأ به.
ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب فيقول: تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت، ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت، وكيف فعل كيت وكيت، فيخرج اسمه في معرض تعجبه.
ومنهم من يخرج الاغتمام فيقول: مسكين فلان غمني ما جرى له وما تم له، فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف، وقلبه منطو على التشفي به، ولو قدر لزاد على ما به، وربما يذكره عند أعدائه ليشتفوا به. وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه.
ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول وقصده غير ما أظهر. والله المستعان" انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
فتأمل أيها المغتر – وكلنا ذلك الرجل! - وابك على نفسك؛ ******************************************

زينة مجالس الغافلين!
فأين اليوم في مجالس المتآخين والمتحابين من ينبري لأخذ هذا الحديث النبوي بحقه:
"من ردَّ عن عِرض أخيه ردَّ الله عن وجهِه النار يوم القيامة" (رواه الترمذي وقال: حديث حسن).
أين ذو همة، وخشية من الله، ويقظة لمكر الشيطان، ينصر الغائب بالرد عن عرضه، وينصر المغتابين بردهم عن غيبتهم، وينصر نفسه - في الوقت نفسه - بالتماس رد الله جل وعلا النار عن وجهه؟!
وأي منكر هذا الذي جعل المولى الجليل جزاءَ من يدفعه ويدافعه: أن يرد عن وجهِه النار يوم القيامة؟!
إنها "الغيبة": داء القلوب، ولذة الألسن، وزينة مجالس الغافلين!!
فإنْ كان هذا حالها ووصفها هو: "ذكر أخاك بما يكره مما هو فيه"، فكيف إذا تحولت إلى افتراء وبهتان؟! فبئس الظلم والعدوان!
عدّها كثير من العلماء من الكبائر؛ لشدة ما جاء فيها من وعيد؛ من وصف الوالغ فيها كمن يأكل لحم أخيه ميتا، وما جاء من وصف شنيع لحال أهلها في ليلة المعراج، لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، قال: "فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" (رواه أبو داود عن أنس رضي الله عنه، وصححه الألباني).
وجاء في الأثر: "إن الإنسان يعذب يوم القيامة فتقدم له جيفة أخيه يكلف أن يأكلها ويقال: كله ميتاً كما أكلته حيا"!
******************************************
تربية بالصوم..!
ولعل مما يعين على التحرر من أسر الغيبة وإدمانها: أن يتصور المرء حال من حبسه صومه عن الغيبة وغيرها من آفات اللسان؛ خشية أن يرد عليه صومه، فكثير من عوام الناس يحبسون ألسنتهم في أفواههم في نهار رمضان؛ يحسبون أن الغيبة - ونحوها من منكرات اللسان - من المفطرات التي تبطل الصيام مثلها مثل الأكل والشرب عمدا؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه" (رواه البخاري).
******************************************
حيل وأحابيل!
مضى في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ما يزيح الغطاء عن حيل نفسية، وأحابيل إبليسية، تتزين فيها الغيبة في ثياب الزور، وتخرج في قوالب شتى.
وقد لا يبعد عما ذكره رحمه الله: بعض حيل المتلاعبين بالرخص الشرعية، الذين يتذرعون إلى الغيبة بما جاء من ترخيص في أحوال: التظلم والتحذير والاستفتاء، وغيرها مما استنبطه العلماء من أدلته في الكتاب والسنة.
لكن في خشية الله - جل في علاه – وشدة وعيده.. ما يحدو بأصحاب الرخص إلى أن يحذروا ويحاذروا الوقوع في الداء، ومجاراة الأهواء!
وقد يبدأ الأمر برخصة، ثم تختلط الرخصة بالهوى وحظوظ النفس، فتحلو في اللسان الغيبة.. فيتمادى صاحب الرخصة ويطغى!
وكم من لائذ برخصة وقع في هلكة! و"السلامة" لا يعدلها شيء.
فليكن ديدنك - أيها المبارك - في هذه الفتنة: تغليب الحيطة؛ فلا تصدر في رخصتك عن هواك، وسل أهل العلم عن شأنك وعذرك: هل يحل لك أن تغتاب فيه؟ وما ضابط ذلك وحده؟
فإن علت قسمات وجهك دهشة من هذه المبالغة في الحيطة.. فراجع شناعة وصف الغيبة، وتصوّر تلبسك بها!
ولا تخش "الغربة" بين الناس واستوحاشهم بتحفظك منها، فإن "من أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس ، ومن أسخط الناس برضا الله كفاه الله الناس" ولأجر الآخرة خير وأبقى، وطوبى للغرباء!
******************************************
فاللهم ارزقنا حسن الإسلام، وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
يتبع
الحلقة الثالثة أكذب الحديث








 
زعــــل الإخـــاء"! قبسات وهمسات.. نفحات ولفحات في زمن زاد فيه "دبيب البغضاء"!
قديم منذ /15-02-2011, 07:25 AM   #3 (permalink)

عطاء بلا حدود
 
الصورة الرمزية المفكر التطويري

المفكر التطويري غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 280415
 تاريخ التسجيل : Feb 2008
 الجنس : ~ MALE/FE-MALE ~
 المكان : الريــاض
 المشاركات : 4,439
 النقاط : المفكر التطويري is on a distinguished road

افتراضي

زغل الاخاء
الحلقة الثالثة أكذب الحديث
بقلم خالد عبداللطيف

***************************************
قبسـات
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ...} (الحجرات: 12).
وقال جل وعلا: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا...} (النور: 12).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً" (متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه).
***************************************
مـد وجزر..!
إنها "الغيبة الخفية"... وما خفي يكون - في كثير من الأحيان - أشد خطراً، وأبلغ ضررا!
فالظاهر يُعلم؛ فيحذر منه ويُتوقى!
لكن المستتر يُضمر؛ فيكون أشد وأنكى!
أرأيت إن تربص بك عدوان: أحدهما يواجهك بالعداوة ويطلب النزال؛ فيما يخفيها الآخر ويدسها بين جوانحه، فأيهما أشد خطرا؟!
وإنه "أكذب الحديث".. كما وصفه رسول الهدى صلى الله عليه وسلم؛ فما الظن بما يخبرك به أكذب الحديث؟! لذا أوجب الحكيم الخبير جل جلاله علينا اجتناب كثير منه؛ وإنْ كان بعضه قد يوافق محله!
وفي هذا ابتلاء لقلوب المتقين، ومد وجزر بين ظن ويقين، وامتحان للإخاء مبين!
فطوبى لمن ألجم نفسه بأمر التنزيل فاجتنب منه الكثير، وألهمه الله من السداد ما يفرّق به بين الحق والباطل في هذه المحنة المستمرة التي تغشى القلوب ليل نهار بعدد الأنفاس!
***************************************
معالم وحدود..!
وما بين حديث نفس عارض، وبين ظن سوء رابض، يضيء الإمام النووي رحمه الله معالم الحق على هذا الدرب، ويضع حـدودا فاصلة تعين المسلم وتهديه إلى اجتناب ظن السوء بأخيه!
قال رحمه الله:
"اعلم أن سوء الظن حرامٌ مثل القول، فكما يحرم أن تُحَدِّث غيرَك بمساوئ إنسان، يحرم أن تحدث نفسك بذلك وتسيء الظن به، قال الله تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ..}، وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث"، والأحاديث بمعنى ما ذكرته كثيرة. والمراد بذلك: عقد القلب وحكمه على غيرك بالسوء.
فأما الخواطر وحديث النفس إذا لم يستقر ويستمر عليه صاحبه فمعفو عنه باتفاق العلماء؛ لأنه لا اختيار له في وقوعه، ولا طريق له إلى الانفكاك عنه، وهذا هو المراد بما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل".
قال العلماء: المراد به: الخواطر التي لا تستقر. قالوا : وسواء كان ذلك الخاطر غيبة أو كفرا أو غيره، فمن خطر له الكفر مجرد خطر من غير تعمد لتحصيله، ثم صرفه في الحال، فليس بكافر، ولا شيء عليه .
وسبب العفو ما ذكرناه من تعذر اجتنابه، وإنما الممكن اجتناب الاستمرار عليه، فلهذا كان الاستمرار وعقد القلب حراماً، ومهما عرض لك هذا الخاطر بالغيبة وغيرها من المعاصي، وجب عليك دفعه بالإعراض عنه، وذكر التأويلات الصارفة له عن ظاهره" انتهى كلامه رحمه الله (مختصراً من: الأذكار).
أما إذا قامت البينات القاطعة، والأدلة الظاهرة، على تلبس أحد المسلمين بسوء، وكانت هناك مصلحة تقتضي التحذير منه بعد التثبت، فلا حرج مع هذه الضوابط.
أبان وأفاد في ذلك العلامة ابن عثيمين رحمه الله، فقال:
"وليس كل الظن إثما، فالظن المبني على قرائن تكاد تكون كاليقين لا بأس به، وأما الظن الذي بمجرد الوهم فإن ذلك لا يجوز، فلو فرضنا أن رجلا رأى مع رجل آخر امرأة، والرجل هذا ظاهره العدالة، فإنه لا يحل له أن يتهمه بأن هذه المرأة أجنبية منه؛ لأن هذا من الظن الذي يأثم به الإنسان.
أما إذا كان لهذا الظن سببٌ شرعي فإنه لا بأس به ولا حرج على الإنسان أن يظنه، والعلماء قالوا: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة" انتهى كلامه رحمه الله )فتاوى إسلامية).
ولكن.. يبقى ضابط "تقدير الضرورة بقدرها" رقيباً في قلب كل مسلم يخشى الله؛ فلا يتخذ من ذلك ذريعة لاسترسال يجاوز الحدود، أو تماد في سوء الظن بلا قيود؛ وإلا فقد يسلمه التجاوز إلى الأذى والتعدي، ويسوّل له التمادي: الانجرار إلى سلسلة من الآفات ترديه، وتربو على ما ظنه بأخيه!
***************************************
الآفة الفتـَّاكة..!
وقد أبعد وجانب الصواب من حصر خطر "سوء الظن" في محض وساوس تتلجلج في الصدر!
وذلك أن هذه "الغيبة المستترة" بين جدران القلب إنما هي:
سبيل وسفير إلى "سلسلة من الآفات" كأنها حبات منتظمة في عقد؛ يطوّق عنق حاملها بالأخطار!
فأول الأمر: سوء ظن في القلب، يؤز صاحبه إلى التحقق من الأمر؛ فيكون تحسس وتجسس، فهلم جرّاً من الوزر والشر، بدعاوى وتلبيسات يزيّنها حامل لواء التحريش بين المسلمين وجنوده!
وهل من التثبت: أن يهتك أخ ستر أخيه؛ ليرى من وراء الحجب ما يخفيه؟!
أو بزعم الحرص والاطمئنان: يُستحلُّ التنقيب عما وراء الجدران؟!
أو بدعوى رفع الريبة: تلـوّك الأعراض بالنميمة والغيبة؟!
إلى هذه السلسلة المظلمة.. أشار الشيخ محمد الراشد في كتابه "العوائق"، فقال:
"العيوب مترابطة، بعضها يستلزم البعض، مثل ترابط أخلاق الإيمان، وهو ما قرره الفضيل بن عياض حين قال: "من أراد أن يسلم من الغيبة فليسد على نفسه باب الظنون، فمن سلم من الظن: سلم من التجسس، ومن سلم من التجسس: سلم من الغيبة".
ولا شك أن الفضيل قطع ذكر التوالي استفزازاً لنباهتك، فإن العيوب تترى، بعضها يردف بعضا فآخر ما ذكره الفضيل، وهي الغيبة: هي أول سلسلة أخرى، فإن الغيبة تقود إلى الحسد، والحسد يقود إلى النميمة، والنميمة تقود إلى الكذب، ومن استجاز الكذب لم يتورع عن النزاع، إلى مائة عيب...
ورأس هذه الشرور في مشاهدات الفضيل: ارتفاع الأخوة. يقول رحمه الله: "إذا ظهرت الغيبة، ارتفعت الأخوة في الله. إنما مثلكم في ذلك الزمان مثل شيء مطلي بالذهب والفضة، داخله خشب، وخارجه حسن"! هي سلسلة طويلة من العيوب، كل يكشف بعض الحلقات المتقاربة منها، وكما وصف الفضيل بعضها، كشف الرجال الصالح أبو بكر الحكيم الوراق بعضا آخر منها، فقال:
"إذا غلب الهوى: أظلم القلب، وإذا أظلم القلب، ضاق الصدر، وإذا ضاق الصدر: ساء الخلق، وإذا ساء الخلق، أبغضه الخلق"!
***************************************
توالد مستمر:
وكما كانت الغيبة وكان الهوى نقاط انطلاق لعيوب كثيرة: يكون الانتصار للنفس نقطة تنطلق منها أيضا جملة وسائل ملتوية. ويظهر أن النفس الإنسانية إذا ألح عليها معنى الانتصار ولو بغير الحق لم تعد تفكر فيما عداه وإن ساقتها وسائلها الملتوية إلى الهزيمة المتكررة حتى تصل إلى الهزيمة التامة" انتهى كلامه وفقه الله (من: العوائق).
وهكذا.. ترتسم الصورة الكريهة لهذه الآفة الفتـَّاكة؛ حين تجاوز الحدود وتكسّر القيود، في مخيلات من يتقون يوماً يُرجعون فيه إلى الله؛ فتردهم إلى الضابط القرآني العظيم {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ..}؛ مخافة الوقوع في الحرج والإثم، والانجرار إلى العدوان والظلم!
***************************************
وقاية وعلاج...!
فإذا تقرر أن الداء مستشرٍ، والسلامة منه عزيزة؛ تهيأت جنود الإيمان لصد عاديات الزور والبهتان؛ بعقد القلب على حسن الظن بالإخوان، والتشاغل عما تلقيه الشياطين بعيوب للنفس هي منها على يقين، فهل يستويان؟!
فينبغي إذا دخل الشيطان إلى قلب المسلم من هذا المدخل أن يدفعه ما استطاع، وليصرف نفسه وقلبه عن الاسترسال معه؛ بالإقبال على عيوب النفس، والاشتغال بتقويمها وإصلاحها، فإن من عرف عيوب نفسه تواضع لله وللناس، وظن النقص بنفسه وليس بالناس .
ومن أعظم ما يعين على ذلك:ذكر التحذير والنكير الوارد في هذا الشأن، مع النظر في جوانب الخير فيمن أسيء به الظن، وامتثال ما أمر الله تعالى به من العدل!
ولأبي حامد الغزالي في ذلك.. كلام نادر، يوقظ الشارد، ويوقف السادر!
قال رحمه الله:
"إذا وقع في قلبك ظن السوء، فهو من وسوسة الشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق، وقد قال الله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}، فلا يجوز تصديق إبليس، فإن كان هناك قرينة تدل على فساد، واحتمل خلافه، لم تجز إساءة الظن .
ومن علامة إساءة الظن: أن يتغير قلبك معه عما كان عليه، فتنفر منه، وتستثقله، وتفتر عن مراعاته وإكرامه والاغتمام بسيئته، فإن الشيطان قد يقرب إلى القلب بأدنى خيالٍ مساوئ الناس، ويلقي إليه: أن هذا من فطنتك وذكائك وسرعة تنبهك، وإن
المؤمن ينظر بنور الله!
***************************************
وإنما هو على التحقيق:
ناطق بغرور الشيطان وظلمته، وإن أخبرك عَدْل بذلك، فلا تصدقه ولا تكذبه؛ لئلا تسيء الظن بأحدهما، ومهما خطر لك سوء في مسلم، فزد في مراعاته وإكرامه؛ فإن ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه عنك فلا يلقي إليك مثله؛ خيفة من اشتغالك بالدعاء له! ومهما عرفت هفوة مسلم بحجة لا شك فيها، فانصحه في السر، ولا يخدعنك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه، وإذا وعظته فلا تعظه وأنت مسرور باطلاعك على نقصه فينظر إليك بعين التعظيم، وتنظر إليه بالاستصغار، ولكن اقصد تخليصه من الإثم وأنت حزين كما تحزن على نفسك إذا دخلك نقص، وينبغي أن يكون تركه لذلك النقص بغير وعظك أحب إليك من تركه بوعظك".
(انتهى كلامه، نقلا عن "الأذكار" للنووي، رحمهما الله).
وبه نختم هذه الذكرى لقلوب المتآخين..!
***************************************
الحلقة الرابعة مصارع التواضع








 
زعــــل الإخـــاء"! قبسات وهمسات.. نفحات ولفحات في زمن زاد فيه "دبيب البغضاء"!
قديم منذ /15-02-2011, 07:44 AM   #4 (permalink)

عضو نشط

كاجولksa غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 206290
 تاريخ التسجيل : Mar 2007
 المشاركات : 127
 النقاط : كاجولksa is on a distinguished road

افتراضي

يعطيك الف عافيه يارب








 
زعــــل الإخـــاء"! قبسات وهمسات.. نفحات ولفحات في زمن زاد فيه "دبيب البغضاء"!
قديم منذ /01-03-2011, 12:30 AM   #5 (permalink)

عطاء بلا حدود
 
الصورة الرمزية المفكر التطويري

المفكر التطويري غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 280415
 تاريخ التسجيل : Feb 2008
 الجنس : ~ MALE/FE-MALE ~
 المكان : الريــاض
 المشاركات : 4,439
 النقاط : المفكر التطويري is on a distinguished road

افتراضي

زغل الاخاء
الحلقة الرابعة مصارع التواضع
بقلم خالد عبداللطيف

******************************************
قبسـات
قال الله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً} (الفرقان: 63).
وقال جل وعلا: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ..} (المائدة: 54).
وقال سبحانه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ..} (آل عمران: 159). إلى غيرها من الآيات الكريمة في مدح التواضع وأهله.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد" (رواه مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه).
وقال صلى الله عليه وسلم قال: "ما نقصت صدقةٌمن مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزّاً، وما تواضع أحدٌ لله إلارفعه الله" (رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه).
ولدى أبي نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: "من تواضع لله رفعه الله" (وصححه الألباني).
******************************************
مصارع.. وتوابع..!
إنها مصارع التواضع.. التي يهدر فيها دمه؛ فيتفرق بين حيلة نفسية واهنة.. وحجة خاوية واهية!
ولهذه المصارع آثار وتوابع:
ما بين فضيلة مطوية أو سنة منسية.. وبين نكت في القلب وران يتراكم؛ بإيثار الهوى والتشفي على ما هو خير وأبقى!
كيف لا وهذا الوحي المطهر تمتلئ نصوصه الكريمة بمدح التواضع واللين وأهله، وذم ما يقابله من الكبر والتعاظم والغلظة؟!
فما بال أقوام ذوي فضل وخير يفرّطون في هذه المنقبة العظيمة والخصلة الكريمة؟!
فترى أحدهم في غضبه يفقد صوابه، ويطيش جنانه، وينفلت لسانه، ولا يبالي بإظهار التعالي؟!
وما بال إخوان متحابين بجلال الله – والله حسيبهم – تأخذهم عزة لا تكاد تؤول إلى عفو يليق بالمتحابين في الله؟!
******************************************
فمن مصارع التواضع في مشاهد الحياة وتقلبات القلوب:
قول القائل: إذا انكسرت لا أنجبر!
يشير إلى أنه إذا نالته إساءة فإنه لا يكاد يصفو قلبه للمسيء وإن ندم واعتذر!
فهلا استشعر في المقابل لو كان هو المسيء؟! هل يطيق نفور كل من تناله إساءته.. أم يزعم عصمته من الإساءة (وليس بمعصوم)؟!
وهلا تذكر أن صدّيق الأمة رضي الله عنه خاطبه المولى جل وعلا بقوله: {ألا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} في شأن الصفح عمن خاض في عرضه المصون..!
فماذا بلغت الإساءة بمن لا ينجبر؟!
ومن مصارعه:
احتقان داخلي وتأثر خفي للفاضل جرّاء ذم مـرّ بساحته، أو مدح فائت يرى استحقاقه!
وحسبُ هذا قول ابن القيم: "علامة المخبت ألا يحزن بذم الناس ولا يفرح بمدحهم"!
إن كان ممن يحب أن يأخذ بحظه من الإخبات لرب الأرض والسموات!
وفي صورة أخرى أجلى:
ظهور شدة الغضب (لذلك الذم العابر، أو المدح الفائت) في قسمات الوجه، وفلتات اللسان، والحال والأفعال، بما قد يربو على ما عـدّه إساءة أو تفريطاً في حقه المزعوم!
وحقيقة الأمر أنه إنما أساء لنفسه؛ بشدة غضبه، وتفريطه في نصيبه من التواضع الرفيع!
وأشد مما سبق:
توطين النفس على التشفي، وإضمار الانتصار لها!
فيظهر أحدهم التغافل والتواضع، وقد يبالغ.. فيقابل الإساءة بابتسامة؛ وقد انطوى قلبه على التربص بساعة للانتقام!
وإن تعجبْ فاعجبْ لمن يعظ الناس في التواضع واللين وخفض الجناح؛ ثم يخالفهم في أحواله مع من يعاشرهم ويعاملهم إلى العنف والمراء والصياح، فلا يطيق في جانبه هفوة، وقد يرد على الكلمة بعشرة!
وأعجب منه: واعظ بأفعاله قبل أقواله؛ يعلم الناس بدأبه في اللين وخفض جناحه للمسلمين، فمنهم متشبه بحاله، ومنهم مستحِ من مخالفة مثاله!
******************************************
غفلة أم تلبيس؟!
هل هي غفلة عن منقبة {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ..}؟!
أم هو تفريط مبين في فضل التواضع العظيم، يميل بصاحبه (عاجلاً أو آجلاً) إلى الوقوع في ضده من الكبر المشين؟!
أم أنه تلبيس من إبليس على أهل الفضل والفضائل يزيّن به الحمية والانتصار للنفس؛ فيلبسهما لباس القوة والحزم وشدة البأس؟!
نعم.. قد يحرّش الشيطان – بل هذا دأبه! – فتنفلت كلمة، أو تقع زلة، أو تصيب أخاً من أخيه هفوة، وهو ما لم يسلم منه أفضل الناس بعد الرسل، أصحاب خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم، لكنهم – لله درُّهم! – كانوا - مع ندرة هذا فيهم – سبّاقين – إن شجر شيء بينهم - إلى التواضع والتسامح والتغافر؛ بما يبدّد الزلّة، ويبدل السيئة إلى حسنة!
فهل يرجع إلى هذه الأسوة من يرتعون في رياض الأخوّة.. والمتنادين بالارتقاء في مدارج الرفعة؟!
فأما انقباض عابر يعقبه تسامح، أو غضب عارض يزول بتغافر، فهذا لا يكاد يسلم منه أحد، وما منا إلا وله منه نصيب؛ فيُصاب أو يُصيب!
لكن الخلل والخطر بحق هو في نفوس أدمنت على أنها لو تأذت؛ نفرت وجفلت، وطال على ذلك الأمد فتجافت وأبغضت... إلى سلسلة شائكة على درب وعر؛ لا يعلم مداها إلا مقلب القلوب!
******************************************
التغافل بابه..!
إن قلوباً مؤمنة علمت أن خفض جناحها للمؤمنين من لوازم التقوى ومحبة المولى.. لينبغي لها أن تتقن فنون: إقالة العثرة، والإغضاء عن الكبوة، والصفح عن الزلة.
وإن شئت أن تجمعها في كلمة فهي "التغافــل"!
كلمة جمعت جُـلّ شمائل حسن الخلق، حتى قال إمام السنة، الذي ثبت الله به الأمة يوم الفتنة، أحمد بن حنبل رحمه الله: "تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل"!
ودفع الحسن البصري رحمه الله شبهة التباسه بالضعف والهوان؛ فعـدّه من شيم "الكبار الكرام"، فقال: "ما زال التغافل من فعل الكرام"!
وذهب الشافعي إلى أبعد من ذلك، فعدّه "كياسة وفطنة" على النقيض من ظاهره! فقال رحمه الله: "الكيس العاقل هو الفطن المتغافل"!
وأبدع أبو شهاب الأندلسي في بيان ذلك كله بأوجز عبارة تجمعه شعراً، فقال:

تغافل ولا تغفل فما ساد غافل وكــن فطناً مستيقظاً متغافــــلا

وبهذا يتجلى سبب الإمامة والريادة للكبار الكرام الذين يسودون في الناس بهذا الخلق، في قول الشاعر (الذي سار مثلاً):

ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي!

إنه إذن: تغافل على سبيل الحلم وكرم النفس، والترفع عن السفاسف والخوض فيها، وتمرير الهفوات والزلات؛ رفقاً بمن وقعت منه، وإغضاء عن الكبوة التي لا تُعهد من تعثر بها!
فما أسعد من فقه هذا الفن "التغافل"، وأخذه بحقه؛ فهو باب إلى "التواضع" مفتوح على مصراعيه ينتهي – بفضل الكريم المنان – إلى رفعة وجنة.
******************************************
والحكمة ثمرته..!
وكما أن لمصارع التواضع آثاراً وتوابع.. فإن للتحلي به – بلا ريب - ثماراً ومنافع؛ من أظهرها: "الرفعة" التي نصت عليها السنة النبوية المطهرة، وهو جزاء من جنس العمل؛ فالذي يخفض الجناح ويتواضع يجازيه أكرم الأكرمين بالرفعة والتشريف!
ومن آثاره كذلك:
الحكمة، فما يتواضع إلا حكيم، وبالتواضع تزداد الحكمة، كما في الحديث: "ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك، فإذا تواضع قيل للملك: ارفع حكمته، وإذا تكبر قيل للملك: دع حكمته" (رواه الطبراني عن ابن عباس وحسنه الألباني).
فهذه آثار في الدنيا يُلبسها الله جل وعلا أهلَ التواضع.
ولأجرُ الآخرة خير وأبقى؛ فالتواضع من أظهر علامات حسن الخلق، وثواب حسن الخلق أثقل ما يوضع في الميزان، وسبب لقرب العبد من النبي صلى الله عليه وسلم في الجنان، فيا لها من رفعة في الآخرة!
من آثار التواضع يوم الحساب – كما في الحديث أيضاً - أن: "من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها" (رواه الترمذي عن معاذ بن أنس وحسنه الألباني).
فأين المشتاقون إلى الدرجات العلى في جنات النعيم؟!
******************************************
دعوة للتجديد..!
إنها دعوة إلى تجديد صفاء الإخاء.. السالم من الدغل، النقي من الزغل، الذي من ركائزه ومعالمه: التواضع واللين وخفض الجناح للمؤمنين.
دعوة إلى: سباق عظيم، في ميدان كريم؛ وفضاء فسيح، تطرح فيه النفس هواها؛ لتهنأ بسعادة الدارين، الدنيا والآخرة:
ففي الدنيا: راحة بال وسكينة، وصفاء وطمأنينة، ومواساة بثواب الله تجاه إصابات الحياة؛ فإنما المصاب من فقد الثواب!
وفي الآخرة: ما أعده الله الكريم المنّان في درجات الجنان مما لا يخطر على قلب إنسان!
وإنها لدعوة للفضلاء النبلاء.. إلى خصلة من خصال المروءة، وسمة من سمات الإخاء، كما وصفها عمرو المكي رحمه الله بقوله: "من المروءة التغافل عن زلل الإخوان"!
******************************************
وقبل هذا..
هو خلق عظيم يحبه الله ويرضاه، ووحي أوحاه الله إلى نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم:
"أن تواضعوا"!
فأين المفر؟! ومن يشمِّر؟!
******************************************
الحلقة الخامسة شح الأنفس







 
زعــــل الإخـــاء"! قبسات وهمسات.. نفحات ولفحات في زمن زاد فيه "دبيب البغضاء"!
قديم منذ /30-03-2011, 12:05 AM   #6 (permalink)

عطاء بلا حدود
 
الصورة الرمزية المفكر التطويري

المفكر التطويري غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 280415
 تاريخ التسجيل : Feb 2008
 الجنس : ~ MALE/FE-MALE ~
 المكان : الريــاض
 المشاركات : 4,439
 النقاط : المفكر التطويري is on a distinguished road

افتراضي

زغل الاخاء
الحلقة الخامسة شح الأنفس
بقلم خالد عبداللطيف
******************************************


قبسـات
قال الله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (النساء:128).
وقال جل وعلا: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:9).


وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم وحملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم" (رواه مسلم وأحمد).
وفي لفظ عن ابن عمرو رضي الله عنهما: "إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور ففجروا" (رواه أبوداود والحاكم، وصححه الألباني).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا" (رواه النسائي والحاكم، وصححه الألباني).
الثلث كثير..!


إنه داء في النفوس كامن متغلغل.. ملازم لها لا يكاد يفارقها، حاضر في شؤونها لا يغيب عنها، إلا من رحم الله ووقاه إياه؛ وجعله من المفلحين!
قال المولى الحكيم العليم:{وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (النساء:128). وقال سبحانه: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:9).
ووصفه من لا ينطق عن الهوى بوصف بالغ الغاية في الخطر والإضرار: "مهلك"؟!
فقال صلى الله عليه وسلم:"إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح.."!


ولعظم خطره وضرره، وشرره الذي يتطاير يمنة ويسرة فيصيب صاحبه ومنْ حوله؛ زاده رسول الهدى صلى الله عليه وسلم بيانا في أحاديث عديدة، تجمعه مع قرناء من الأدواء..!
فلمّا جمع صلى الله عليه وسلم ثلاث مهلكات في تحذير بليغ لأمته جعل له الثلث..(والثلث كثير)..!
كما في حديث أنس رضي الله عنه (الذي حسنه الألباني): "وثلاث مهلكات: هوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه".


وجمعه مع مقدمات الفتن والأمارات بين يديها؛ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في المسند والصحيحين: "يتقارب الزمان ويقبض العلم ويلقى الشح وتظهر الفتن ويكثر الهرج" قيل: وما الهرج؟ قال: "القتل".
بيان من شيخ الإسلام..!
وهذه كلمات مباركات لشيخ الإسلام "ابن تيمية" رحمه الله، من كتابه "الزهد والورع والعبادة"، تهز قلوب المؤمنين، وتوقظ الغافلين عن حقيقة هذا الداء الوبيل، وما يتصل به من بغي وعدوان، ببيان عجيب وتمثيل وتقريب، يفهمه العوام، ويصلح – بل يحسن – تلقينه للصغار:


"قال المفسرون في قوله تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ..}: هو أن لا يأخذ شيئا مما نهاه الله عنه ولا يمنع شيئا أمره الله بأدائه؛ فالشح يأمر بخلاف أمر الله ورسوله؛ فإن الله ينهى عن الظلم ويأمر بالإحسان والشح يأمر بالظلم وينهى عن الإحسان، وقد كان عبدالرحمن بن عوف يكثر في طوافه بالبيت وبالوقوف بعرفة أن يقول: اللهم قني شح نفسي، فسئل عن ذلك فقال: إذا وقيت شح نفسي وقيت الظلم والبخل والقطيعة".

وقال رحمه الله: "ذكر تعالى الشح في سياق ذكر الحسد والإيثار في قوله {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} ثم قال {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} فمن وقي شح نفسه لم يكن حسودا باغيا على المحسود، والحسد أصله بغض المحسود، والشح يكون في الرجل مع الحرص وقوة الرغبة في المال وبغض للغير وظلم له، كما قال تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا * أشحة عليكم..} الآيات، إلى قوله: {أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم} فشحهم على المؤمنين وعلى الخير يتضمن كراهيته وبغضه، وبغض الخير يأمر بالشر، وبغض الإنسان يأمر بظلمه وقطيعته؛ كالحسد فإنه يأمر الحاسد بظلم المحسود وقطيعته كابني آدم وإخوة يوسف؛ فالحسد والشح يتضمنان بغضا وكراهية فيأمران بمنع الواجب وبظلم ذلك الشخص...".
******************************************
كل شحيح بخيل..!


كفى "الشح" شؤما أن "البخل" - ذلكم الخُلُق الذميم - أحد أتباعه!
وأن البخل على شناعته واستقباحه أدنى وأهون من الشح!
فكل شحيح بخيل، وليس كل بخيل شحيحا!


ومازال البيان لشيخ الإسلام رحمه الله؛ حيث يقول في التمييز الدقيق بين الشح والبخل:
"وابن مسعود جعل البخل خارجا عن الشح، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل الشح يأمر بالبخل، ومن الناس من يقول: الشح والبخل سواء، كما قال ابن جرير: الشح في كلام العرب هو البخل ومنع الفضل من المال. وليس كما قال، بل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وابن مسعود أحق أن يتبع؛ فإن البخيل قد يبخل بالمال محبة لما يحصل له به من اللذة والتنعم، وقد لا يكون متلذذا به ولا متنعما، بل نفسه تضيق عن إنفاقه وتكره ذلك حتى يكون يكره أن ينفع نفسه منه مع كثره ماله، وهذا قد يكون مع التذاذه بجمع المال ومحبته لرؤيته، وقد لا يكون هناك لذة أصلا، بل يكره أن يفعل إحسانا إلى أحد، حتى لو أراد غيره أن يعطي كره ذلك منه؛ بغضا للخير لا للمعطي... وقد يكون بغضا وحسدا للمعطي أو للمعطَى؛ وهذا هو الشح، وهذا هو الذي يأمر بالبخل قطعا، ولكن كل بخل يكون عن شح، فكل شحيح بخيل، وليس كل بخيل شحيحا.


قال الخطابي: الشح أبلغ في المنع من البخل، والبخل إنما هو من أفراد الأمور وخواص الأشياء، والشح عام؛ فهو كالوصف اللازم للإنسان من قبل الطبع والجبلة. وحكى الخطابي عن بعضهم أنه قال: البخل أن يضنّ الإنسان بماله، والشح أن يضن بماله ومعروفه، وقيل الشح أن يشح بمعروف غيره على غيره، والبخل أن يبخل بمعروفه على غيره" (انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله – من كتابه: الزهد والورع والعبادة).
ولتلميذه ابن القيم في "الوابل الصيب" كلام قيّم.. يلخص ما سبق في عبارة جامعة:


"والفرق بين الشح والبخل: أن الشح هو شدة الحرص على الشيء، والإحفاء في طلبه، والاستقصاء في تحصيله، وجشع النفس عليه. والبخل: منع إنفاقه بعد حصوله، وحبه وإمساكه؛ فهو شحيح قبل حصوله، بخيل بعد حصوله، فالبخل ثمرة الشح، والشح يدعو إلى البخل، والشح كامن في النفس، فمن بخل فقد أطاع شحه، ومن لم يبخل فقد عصى شحه ووقي شره".
******************************************

الأخلاّء أوْلى بالسخاء..!
لا ريب أن "الأخلاء" وحملة لواء "الإخاء".. هم أناس من جملة البشر، تصارع الطبائع والسجايا أضدادها في نفوسهم فمنزلق إلى الشح تارة، وساع في فلاحه تارة!
لكن وجه العجب من شأن "الشح" معهم هو ما يبلغه منْ بعضهم - في بعض الأحيان - مما قد يفوق حال البسطاء العوام.. الذين قد يبلغون "بفِطَرَهم" ما لا يبلغه "المتباهون بأخوتهم"!
فمنهم "مبادر" – بغير مناسبة – إذا كان بين إخوانه إلى تعداد أثقاله وأحماله؛ وقاية من طلبه في عون أخ محتاج أو غوث آخر ملهوف! فيؤثر ما يفنى على ما يبقى!


وآخر يتفلّت من بذل جاهه في شفاعة محمودة "يؤجر بها" وهو يقدر؛ مخافة فتح باب للمزيد؛ فيرضى بالغبن في جاهه؛ الذي لا يرتحل معه إلى قبره منه إلا ما ينفعه في آخرته!
وكم تبلغ "فطرة سليمة" بأخلاق أهلها ما لا تبلغه "أخوة سقيمة" أصابها هذا الداء!
ولمن أراد الوقوف من نفسه على شيء من ذلك أن يبلوها:


هل تبادر إلى البال - وهي تسمع هذه التذكرة - أنَّ حفظ الإنسان لما يملك لا يُذمُّ ولا يُعاب، بل هو من شيم أولي الألباب؟!
فهو قول حق، لكنه أتى في غير أوانه؛ بسبب "شح النفس" الذي أبى حتى أن تصفو هذه اللحظات للتحذير والتذكير والحث على "وقاية" تقود إلى الفلاح!
******************************************

عودة إلى الصفاء (صور من السخاء)!
وفي الأمثال ذكرى وعبرة.. ولمن طالع شيئا من قصص السلف وقفة ورجعة!
ومن بديعها ما جاء في "عيون الأخبار" أن رجلا قال للعباس بن محمد: "إني أتيتك في حاجة صغيرة، قال: اطلب لها رجلاً صغيراً "! وقيل لرجل: لنا حويجة، فقال: "اطلبوا لها رويجلا".
فهم لا يكفيهم سخاء نفوسهم، ولا مسارعتهم إلى غوث اللهفان؛ حتى يضيفوا إليه: تصغير المعروف وتقليله! فأي أثر يقع في نفس الطالب الذي تقضى حاجته بهذه الروح؟!


أما "عبدالله بن عثمان عبدان" أحد شيوخ الإمام البخاري.. فيتجاوز ذلك إلى حد يفوق الاستطاعة! ويسعى لسد حاجة الملهوف لدى الإخوان، بل لدى السلطان، فيقول رحمه الله: "ما سألني أحد حاجة إلا قمت له بنفسي، فإن تم وإلا قمت له بمالي، فإن تم وإلا استعنا له بالإخوان، فإن تم وإلا استعنت له بالسلطان"! فلله دره؛ فكم من جواد كريم اليوم يرى أنه قد بلغ المنزلة القصوى بعدم استطاعته قضاء حاجة؛ لأنه لو استطاع لقضاها، فهو والمستطيع سواء، أما هؤلاء السابقون الأفذاذ فيشغلهم ويؤرقهم أن تُقضى الحاجة ويفرح الملهوف وينقلب إلى أهله مسرورا!

ومن هؤلاء الأفذاذ "قيس بن سعد بن عبادة" رضي الله عنهما، أحد كبار الأجواد، مرض يوما فاستبطأ إخوانه في العيادة، فلما سأل علم أن الذي منعهم هو حياؤهم لما له عليهم من الدين، فما كان منه إلا أن قال: أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة! ثم أمر منادياً ينادي: من كان لقيس عليه مال فهو منه في حِلٍّ! فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه لكثرة من عاده!
******************************************

وفي بذل "الجاه" ابتلاء..!
ومن قصص السابقين أمثلة أخرى في بذل الجاه، فلهو (الجاه) أشق على بعض النفوس من المال، ولحاجة بعض الناس إليه أشد من حاجتهم إلى الدينار، وكم من رجل بذل الآلاف أيسر عليه من كلمة يشفع بها لدى ذي سلطان؛ حرصا على جاهه وإشفاقا عليه وشحا به!
وكان عبد الواحد بن زيد – رحمه الله - يحلف بالله: "لحرص المرء على الدنيا أخوف عليه عندي من أعدى أعدائه".


وقد جاء الحث من نبي الهدى صلى الله عليه وسلم في الشفاعة المحمودة، فعن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة قال: "اشفعوا فلتؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء" (رواه البخاري ومسلم).
علم ذلك الحسن بن سهل – رحمه الله – حين أتاه رجل يستشفع به في حاجة فقضاها فأقبل الرجل يشكره، فقال له الحسن: علام تشكرنا ونحن نرى أن للجاه زكاة كما أن للمال زكاة؟". وأنشأ يقول:
فُرضت علي زكاة ما ملكت يدي وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا
فإذا ملكت فجـُدْ فإن لم تستطع فاجهد بوسـعك كله أن تنفعــا
******************************************

وماذا بعد الفلاح..؟!
عود على بدء..
هذا شأن الشح، وهذه أحوال من كانوا يتقونه، وهذا كتاب ربنا يقرن اتقاءه بالفلاح:
{وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
قال الشيخ "السعدي" رحمه الله في تفسيره:
"ووقاية شح النفس، يشمل وقايتها الشح، في جميع ما أمر به، فإنه إذا وقي العبد شح نفسه، سمحت نفسه بأوامر الله ورسوله، ففعلها طائعا منقادا، منشرحا بها صدره، وسمحت نفسه بترك ما نهى الله عنه، وإن كان محبوبا للنفس، تدعو إليه، وتطلع إليه، وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وبذلك يحصل الفلاح والفوز، بخلاف من لم يوق شح نفسه، بل ابتلي بالشح بالخير، الذي هو أصل الشر ومادته، فهذان الصنفان، الفاضلان الزكيان هم الصحابة الكرام والأئمة الأعلام، الذين حازوا من السوابق والفضائل والمناقب ما سبقوا به من بعدهم، وأدركوا به من قبلهم، فصاروا أعيان المؤمنين، وسادات المسلمين، وقادات المتقين".








 
زعــــل الإخـــاء"! قبسات وهمسات.. نفحات ولفحات في زمن زاد فيه "دبيب البغضاء"!
قديم منذ /30-03-2011, 12:56 AM   #7 (permalink)

 
الصورة الرمزية سااااااااس

سااااااااس غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 232382
 تاريخ التسجيل : Aug 2007
 المشاركات : 11,576
 النقاط : سااااااااس is on a distinguished road

افتراضي

جزيت الجنة قرأت منها 3 حلقات فقط وبإذن الله اتمكن من قرآة الباقي بتمعن اكثر

اسأل الله ان ينقي قلوبنا وسرائرنا ... وان يجعلنامن العافين عن الناس ومن المحسنين ..








 
زعــــل الإخـــاء"! قبسات وهمسات.. نفحات ولفحات في زمن زاد فيه "دبيب البغضاء"!
قديم منذ /25-10-2011, 08:28 PM   #8 (permalink)

عطاء بلا حدود
 
الصورة الرمزية المفكر التطويري

المفكر التطويري غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 280415
 تاريخ التسجيل : Feb 2008
 الجنس : ~ MALE/FE-MALE ~
 المكان : الريــاض
 المشاركات : 4,439
 النقاط : المفكر التطويري is on a distinguished road

افتراضي

زغل الإخاء..! (6) .... مآزق المنازل
خالد عبداللطيف



نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
قبسات وهمسات.. نفحات ولفحات.. في زمن زاد فيه "دبيب البغضاء"!مدارها: شوائب تكدّر الصفاء، وتشوّه وجه الإخاء!ومدادها: قطرات ندى للأخلاّء.. وعبرات من عيون الأوفياء!قبسـات قال الله تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات...} (الأنعام:165).
وقال جل وعلا: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أتوا العلم درجات..} (المجادلة:11).وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلوا الناس منازلهم" (رواه أبوداود).
وذكره مسلم تعليقا في أول صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم".

بين جهل وغفلة..!

خصلة طيبة مباركة، لمن أخذها بحقها وفقهها، لم تزل سببا عظيما من أسباب تأليف القلوب، ومظهرا جليا من مظاهر "الذكاء الاجتماعي" ومعاملة الناس بما يناسب أحوالهم وأقدارهم.
كيف لا ورسول الهدى صلى الله عليه وسلم، المؤيد بوحي السماء، أمر بها، وكانت في سيرته العطرة مشاهد منها ومواقف تعلم الناس فصلا فريدا من فصول التعامل والتواصل الإنساني الفريد؟!
وفي ميدان "الإخاء"، الذي تروم هذه السطور إسهاما في إحيائه؛ متمثلا للهَدْي النبوي، صافيا نقيا من الدغل والزغل، والشوائب التي علقت به من غبار الهوى والغفلة، لاتزال العجائب تترى من طرفي النقيض في هذه الخصلة:

قومٍ فقهوا حقيقتها؛ فترى منهم في تمثّلها ما يسرّك ويذكّرك بها ويعينك عليها!
وآخرين جهلوا أو غفلوا؛ فيؤلمك ما تراه من جفاء وما يلقاه معاشروهم من العناء!
فأما الجهل فدواؤه العلم بما جاء عن خير الخلق في ذلك من خبر وسيرة، وأما الغفلة فدواؤها التذكير {فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}!

منهاج النبوة

من أصرح ما يحث على هذه الخصلة ما جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلوا الناس منازلهم" (رواه أبوداود).
ومع أن الحديث بهذا اللفظ قد اختلف فيه، فضعفه جمع من أهل العلم. وصححه آخرون، منهم: الحاكم، وابن الصلاح، لكن مسلما ذكره في أول صحيحه تعليقا عن عائشة رضي الله عنها قالت: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم"، كما صحت في معناه أحاديث كثيرة.


قال الإمام السخاوي" في "المقاصد الحسنة": "حديث (أمرنا رسول الله أن ننزل الناس منازلهم) (ذكره) مسلم في مقدمة صحيحه بلا إسناد تعليقا..." إلى أن قال (السخاوي): "وبالجملة فحديث عائشة حسن".
وقال الإمام "النووي": "إن شرط مسلم الاكتفاء بالمعاصرة، وميمون يحتمل أن يكون قد لقي عائشة".

ومن الأحاديث الصحيحة التي صحت في المعنى نفسه: قوله صلى الله عليه وسلم للأنصار بعد نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه، وكان قادما على حمار، فلما دنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قوموا إلى سيدكم" (كما في صحيح البخاري). وعند مسلم وأبي داود: "أو إلى خيركم".
وقوله صلى الله عليه وسلم - في أسارى بدر -: "لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له".

وكذلك ما جاء من حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إنزال الملوك منازلهم في كتبه إليهم، كما في كتابه لهرقل: "من محمد بن عبدالله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم"، وغيره من الملوك. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "فيه عدول عن ذكره بالملك أو الإمرة؛ لأنه معزول بحكم الإسلام، لكنه لم يخله من إكرام؛ لمصلحة التألف. وفي غزوة الفتح وحين أشرف على دخول مكة أعلم الناس أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ولهذا ترك هذا النهج أثراً بالغاً في نفوس هؤلاء السادة فأسلم كثير منهم وحسن إسلامه وتبعهم من أقوامهم عدد كبير" اهـ.
وفي الباب نفسه (مراعاة منزلة الكافر لمصلحة التألف) أمر الله عز وجل لموسى وهاورن عليهما السلام بإلانة القول مع الجبار فرعون.
قال القرطبي ـ رحمه الله ـ في تفسيره عند قوله تعالى: {فقولا له قولاً لينا} في خطابه لموسى وهاورن عليهما السلام: واختلف في معنى قوله {لينا} فقالت فرقة ـ منهم الكلبي وعكرمة ـ معناه: كنياه، وقاله ابن عباس ومجاهد والسدي، فعلى هذا تكنية الكافر جائزة إذا كان وجيهاً ذا شرف وطمع بإسلامه، وقد يجوز ذلك وإن لم يطمع بإسلامه؛ لأن الطمع ليس بحقيقة توجه عملاً، وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم: "إذا اتاكم كريم قوم فأكرموه" ولم يقل: وإن طمعتم في إسلامه، ومن الإكرام دعاؤه بالكنية، وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ لصفوان بن أمية: "انزل أبا وهب" اهـ.

ففي هذه الأخبار والقصص، وغيرها كثير في السنة والسيرة، تأكيد الحث على هذه الخصلة "إنزال الناس منازلهم"، وأنها من هَدْي خير الخلق صلى الله عليه وسلم، حتى مع غير المسلمين، بل صناديد الكفر، فكيف بالمسلم؟! وكيف بالمتآخين الذين يتواصون بالحق ويتآمرون بالمعروف؟!

ميزان التفاضل

وفي إشارة لعموم الحث على إنزال الناس ما يليق بهم من المنازل، ومراعاة ما بين الناس من تفاضل، وأنه لا تختص به فئات بعينها من الناس، كما أنه تفاضل بميزان رباني، لا بهوى نفساني، قال الحافظ النووي في شرح مسلم عند ذكره للحديث – السابق الكلام عنه - عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "ومن فوائده: تفاضل الناس في الحقوق على حسب منازلهم ومراتبهم، وهذا في بعض الأحكام أو أكثرها".وفي شرحه للحديث نفسه فصّل وأفاد العلامة ابن جبرين رحمه الله، فقال:"ولا شك أن الحديث على عمومه، وأنه يدخل فيه منازل الناس العامة والخاصة؛ فمعلوم مثلا: أن الإنسان إذا رأى من له مكانة وهيئة فإنه يحترمه، وإذا رأى آخر دونه في المكانة والهيبة والهيئة فإنه يكون قدره أقل..".ثم قال: "وبكل حال الكلام إنما هو في منازل الناس التي يستحقونها عند الله تعالى، وعند عباد الله، ونعرف أن منازل الناس بالنسبة إلينا نقول: لا شك أن المقربين عند الله تعالى هم الذين يحبونه ويعبدونه، ويقيمون حقوقه وحدوده، ويؤدون العبادات التي أمروا بها، فهؤلاء لهم مكانتهم؛ نحبهم ونقربهم ونحترمهم، ونعترف بفضلهم وبديانتهم وبأعمالهم، فننزلهم منزلة رفيعة.كذلك أيضا الآخرون الذين لهم منزلة في العلم، إذا كانوا مثلا حملة العلم، وحفاظ الحديث ونحوهم أيضا نحبهم أيضا ونقربهم ونجالسهم ونؤانسهم، ونطمئن إليهم ونركن إليهم ونثق بهم، ونعرف لهم حقهم ومكانتهم ننزلهم أيضا بمنزلة يستحقونها.وكذلك أيضا المنازل الدنيوية؛ أيضا الناس قد يعرفون لأهلها مكانتهم، فإنك مثلا إذا رأيت اثنين كلاهما في العبادة سواء؛ كلاهما يصلي ويصوم ويذكر الله ويقرأ القرآن، ولكن أحدهما من أهل الرفعة، ومن أهل الثروة، ومن أهل المكانة، ومن أهل المال الذين فتح الله تعالى عليهم، والآخر ليس كذلك، بل هو من فقراء الناس وعامتهم، لا شك أنك تقوم لهذا الذي أنعم الله عليه، وتقول: هذا قد غلب نفسه وتواضع لربه، ولم يتكبر مع ما أعطاه الله من هذه الرتبة، وما فتح عليه من هذا المال، قد عصى هوى نفسه، وأطاع الله تعالى، وأجاب داعيه، وتواضع لله، وأنفق مما أعطاه الله، فيكون له مكانة عندك، فقد تقوم له وتسلم عليه وتجلسه في مقدمة مجلسك، وتحترمه وتميل إليه، بخلاف الآخر الذي هو فقير، ولكن عبادته متوسطة كعبادة هذا الغني، وذلك دليل على ما للناس من المنزلة" انتهى كلامه رحمه الله.

حكم ومقاصد

وهكذا تتضح معالم السبيل أمام المتآخين المتحابين في معاملة بعضهم بعضا، وفي معاملتهم للناس:
فالشأن ليس مرده إلى أهواء وآراء، بل فقه وحكمة ونظر سديد، وتأمل في المقاصد؛ فمن صلحت نيته وعمله وهو يتمثل هذا الهدي "إنزال الناس منازلهم" فهو على سبيل سنة، وصلاح ذات بين.
وكم من الإخوان تقاطعوا وتدابروا بسبب إهدار هذا الخلق الكريم، والهدي القويم؟!
فهذا فلان يتحاشى لقيا أخ له في الله؛ لما يتسبب له فيه من حرج أمام آخرين بمبالغته في الانبساط في المزاح معه، دون تمييز بين مجالسهم الخاصة ومجلس عام؛ فأهدر وقاره ومنزلته أمام الآخرين!
وهذا آخر نفر منه الناس؛ لأنه لا يفرق بين صغير وكبير أوعالم وعامي إذا جمعه بهم مجلس!
وكم مغتر بتواضع من فقيه أو نبيل؛ فلا يكاد يرعى له منزلة؛ بخلاف حاله مع ذي مال أو جاه!
والأعجب من هذا: أن يغضب الغافل عن هذه الخصلة "إنزال الناس منازلهم" إذا عوتب في ذلك ويتغير وجهه وقلبه ويظن الظنون!
وهكذا لا يزال كثيرون يقعون، ويوقعون غيرهم، في مآزق المنازل!
وأمثال هؤلاء إنما يؤتون من جهلهم أو غفلتهم عن أن مقتضى الحكمة وحسن الخلق: مراعاة كل حال وزمان ومكان بما يناسبه؛ ومعاملة الناس بما يحبون.
قال الشيخ السعدي في "بهجة قلوب الأبرار في شرح جوامع الأخبار" حول "الحكمة" في هذه الخصلة، عند شرحه حديث عائشة رضي الله عنها "أنزلوا الناس منازلهم":
"يا له من حديث حكيم، فيه الحث لأمته على مراعاة الحكمة؛ فإن الحكمة وضع الأشياء مواضعها، وتنزيلها منازلها. والله تعالى حكيم في خلقه وتقديره، وحكيم في شرعه وأمره ونهيه، وقد أمر عباده بالحكمة ومراعاتها في كل شيء، وأوامر النبي صلى الله عليه وسلم وإرشاداته كلها تدور على الحكمة.فمنها: هذا الحديث الجامع، إذ أمر أن ننزل الناس منازلهم، وذلك في جميع المعاملات، وجميع المخاطبات، والتعلم والتعليم"اهـ.
ولله در الصحابي الجليل ابن عمر رضي الله عنهما، الذي تعلم في مدرسة النبوة ففطن لهذه الخصلة مبكرا وهو صبي يافع وسط أكابر الصحابة، كما جاء عنه في الصحيحين وغيرهما قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "أخبروني بشجرة تشبه أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها، تؤتى أكلها كل حين" قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة فقال له أبوه عمر رضي الله عنه: ما منعك أن تتكلم؟ قال: لم أركم تكلمون فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئاً، قال عمر ـ رضى الله عنه: "لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا".

التنزيل بحسب المنزلة

وحول كيفية تنزيل كل شخص منزلته يضيف العلامة السعدي رحمه الله تعالى:
"الناس قسمان: قسم لهم حق خاص، كالوالدين والأولاد والأقارب، والجيران والأصحاب والعلماء، والمحسنين بحسب إحسانهم العام والخاص. فهذا القسم تنزيلهم منازلهم: القيام بحقوقهم المعروفة شرعاً وعرفاً، من البر والصلة والإحسان والتوقير والوفاء والمواساة، وجميع ما لهم من الحقوق، فهؤلاء يميزون عن غيرهم بهذه الحقوق الخاصة...".
إلى أن قال: "فالكبير له التوقير والاحترام، والصغير يعامله بالرحمة والرقة المناسب لحاله، والنظير يعامله بما يحب أن يعامله به".
ثم قال – بعد تفصيل -: "فهذه الأمور وما أشبهها داخلة في هذا الكلام الجامع الذي تواطأ عليه الشرع والعقل. وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن". اهـ.
ولعل في عبارته: "والنظير يعامله بما يحب أن يعامله به" ملخص بليغ، وتذكير بأن الإخلال بذلك ينتقص من الإيمان؛ كما في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: "لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"؟!
وقال صاحب عون المعبود في شرح حديث (أنزلوا الناس منازلهم): "أي يعاملون كل أحد بما يلائم منصبه في الدين والعلم والشرف، قال العزيزي: والمراد بالحديث: الحض على مراعاة مقادير الناس ومراتبهم ومناصبهم وتفضيل بعضهم على بعض في المجالس وفي القيام وغير ذلك من الحقوق" اهـ.
فليتأمل المتحابون بجلال الله فيما قد يبدر من بعضهم من مجاوزة للحد في مزاح أو لهو، أو رأي أو شأن مما يدور في المجالس؛ فإن القلوب تتغير!
وليعوّد الأخ لسانه وإخوانه أطايب الكلم كما يطيب له أن يسمع من غيره، وليتجنب ما يوغر الصدر؛ فرب كلمة لا يحسب المحب لها بالا تنال من قلب خليله وتهز رسوخ كنزهما (الحب في الله) فيكون ثم خسارة أخرى!
أما الخسارة الأشد.. إذ إنها متعدية الأثر والضرر؛ فهي وقوع الزلل والخلل في هذا الباب أمام أعين الناس من قدوات لهم في العلم والدعوة والخُلُق!
نعم قد يكون ذلك من الندرة بمكان، لكن أثره قد يتطاير ويُتناقل، مع نسبته لمن يُقتدى به، فيبلغ أثره أبعد مما يتصوره من أخلّ بهذه الخصلة والوصية النبوية العظيمة "إنزال الناس منازلهم"، كما أن من يحرص عليها وينصح ويدعو إليها؛ تعبدا لله جل وعلا، يحيي سنة كريمة متبعة يندرج تحتها من الفوائد والمصالح خير عظيم








 
موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

جامعة نجران

Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
الساعة الآن 02:23 PM

  • روابط هامة
  • روابط هامة
LinkBack
LinkBack URL LinkBack URL
About LinkBacks About LinkBacks

SEO by vBSEO 3.6.1