Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Armco FX هي شركة وساطة واستثمار عالمية مرخصة ومتخصصة في أسواق المال العالمية.
العسل الحر

منتديات الشريف التعليمية
العودة   منتديات الشريف التعليمية > المنتديات العامة > الثقافة والأدب

الثقافة والأدب الثقافة والأدب

إضافة رد
شيلوك الجديد ( المغامرة والحتمية التاريخية )بقلم محمد عباس عرابي
شيلوك الجديد ( المغامرة والحتمية التاريخية )بقلم محمد عباس عرابي
قديم منذ /19-11-2011, 12:22 PM   #1 (permalink)

عضو مميز

محمس عربي غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 426628
 تاريخ التسجيل : Oct 2009
 الجنس : ~ MALE/FE-MALE ~
 المشاركات : 324
 النقاط : محمس عربي is on a distinguished road

افتراضي شيلوك الجديد ( المغامرة والحتمية التاريخية )بقلم محمد عباس عرابي

شيلوك الجديد ( المغامرة والحتمية التاريخية )
كتب محمد عباس عرابي ▪ بتاريخ 01/11/2011 17:17 ▪ مجلة الأدب الإسلامي الإلكترونية عدد10
مسرحية (شيلوك الجديد) تثير قضية إدعاء اليهود الحق في إقامة دولة إسرائيل في فلسطين، كادعاء (شيلوك شكسبير) الحق في رطل من لحم أنطونيو، والنهاية التي رسمتها كل من مسرحيتي شكسبير وباكثير "لشيلوك"، وتدخل هذه المسرحية أيضا ضمن استشراف المستقبل عند باكثير، ثم تشير المسرحية إلى العلاقة بين رؤية الفنان للتاريخ وبين ما يحققه التاريخ من هذه الرؤية. فباكثير رأى أن دولة إسرائيل سوف تقوم، وقد قامت في فلسطين، ورأى أنها لن تستطيع الاستمرار، وهذه حقيقة تاريخية، ولكنها استمرت؛ لأن الرؤية هنا يغلب عليها الحس الفني، لا الحس التاريخي.
مسرحيات باكثير السياسية و شيلوك الجديد:
لقد أدرك باكثير أن الأخطار السياسية التي تتهدد الأمة العربية لابد لها من معادل مسرحي أكثر وضوحا من الرمز والتاريخ، وبخاصة بعد ما تأزمت مشكلة فلسطين، وتداعت الأنظمة الإمبريالية ضد الحق العربي، كان لابد من الانعطاف نحو الكوميديا الساخرة – السوداء – وفي هذا يقول باكثير: لقد ظللت برهة بعدما زاولت مهنة الكتابة المسرحية أعتقد أنني من أبعد الناس عن الفكاهة، وأقلهم قدرة على الإضحاك والتنكيت إلى أن اشتعل السخط في نفسي، ويقصد السخط على القوى الاستعمارية التي تتحكم في مصائر الشعوب.
الشرارة الكوميدية الأولى كانت مسرحية له من فصل واحد عن الرئيس الأمريكي ترومان بعنوان (سأبقى في البيت الأبيض)، ثم كتب ما يزيد عن سبعين مسرحية من هذا القبيل في مختلف القضايا العربية والإسلامية تفيض بالسخرية، جمع عدد منها في كتابه مسرح السياسة، تناول في بعضها شخصيات سياسية معروفة من أمثال تشرشل وترومان والجنرال سمطس.
مسرحياته السياسية كانت كل واحدة منها تولد من فكرة معينة تخطر له بعد مراقبة الحدث السياسي، ثم يقوم ببناء أحداث المسرحية:
في مسرحية "نقود تنتقم" أراد أن يكتب عن تريجفى لي سكرتير عام الأمم المتحدة المتحيز لليهود، فجعل النقود المحفوظة في خزانته تتحاور ومن ضمنها نقود عربية، وتسمع الحوار زوجته فيتهمها بالجنون، ثم ينتهي به الأمر إلى طبيب نفسي، فالإصابة بالمغص جراء ما ابتلعه من حقوق.
وفي مسرحية (مسمار جحا) أراد الكاتب أن يصور قضية مصر والاحتلال الإنجليزي المقيد بمعاهدة قناة السويس فاستعار حكاية مسمار جحا الرامز إلى قناة السويس.
وفي مسرحية (شيلوك الجديد) التي كتبها عام 1944م قبل النكبة انطلقت الفكرة من خطاب جابوتنكس في مجلس العموم البريطاني قائلا: "أعطونا رطل اللحم، لن ننزل أبدا عن رطل اللحم"، مشيرا إلى فلسطين ومطالبة اليهود بها وطنا قوميا. وقد رأى باكثير في هذه الإشارة إلى شيلوك في مسرحية تاجر البندقية لشكسبير حجة على الصهيونية وليس لها، ومن هنا انطلقت فكرة المسرحية في أنه لا يمكن أن يقتطع رطل لحم من فلسطين لليهود من غير أن يسيل الدم من الشرق العربي كله.(1)
شيلوك الجديد ( الموضوع والفكرة ) :
تتمثل فكرة المسرحية وموضوعها كما يقول باكثير: "إن فلسطين العربية لا يمكن أن يقتطع منها وطن قومي لليهود – بله دولة – دون أن يسيل الدم من الشرق العربي كله، ومثل ذلك مثل رطل اللحم الذي اشترطه شيلوك اليهودي في رواية تاجر البندقية على التاجر البندقي أنطونيو لا يمكن أن يقطعه شيلوك من جسم أنطونيو دون أن يسيل الدم منه فيموت. فكما استحال تنفيذ هذا الشرط المخالف للقوانين الإنسانية، مع أن أنطونيو نفسه قد رضي به ووقع على صك العقد الذي بينه وبين شيلوك، يستحيل بالأولى تنفيذ وعد بلفور لا لمخالفته للقوانين الإنسانية فقط فيما يترتب عليه من حكم بالموت على شعب بأكمله هو الشعب الفلسطيني بدلا من شخص واحد هو أنطونيو، بل لأن الذي أعطى هذا الوعد لا يملك إعطاءه وهو بلفور بخلاف أنطونيو الذي كان يملك الصك على نفسه. (2)
والموضوع بهذا الشكل استعاره باكثير من شكسبير، واعتمد فيه على أوجه التشابه بين القضيتين بوجه عام، وفي بعض التفصيلات، وتنتهي مسرحية باكثير ببطلان دعاوى الصهيونية كما بطلت دعاوى المرابي شيلوك في مسرحية شكسبير. وقد نشرت مسرحية شيلوك الجديد عام 1945م، وهي مسرحيتان في كتاب واحد، الأولى بعنوان (المشكلة) والثانية بعنوان (الحل)0
وكانت هذه المسرحية نتيجة طبيعية لاهتمامه العميق بمأساة العرب والمسلمين التي أخذت بمجامع قلبه، وأسرت لبه سنوات طوال، وقد ترجم باكثير مسرحيته السياسية المهمة (شيلوك الجديد) إلى اللغة الإنجليزية – كان باكثير مدرسا للغة الإنجليزية – رغبة منه في إيصال صوته إلى الرأي العالمي، ولأهمية ما يمكن أن تحدثه من أثر في المجتمع الأوربي المخدوع بالدعاية الصهيونية، وقد سلم ترجمته للمستشرق الإنجليزي (عبد الله فيلبي) الذي رحب بفكرة المسرحية ووعد بعرضها على دور النشر في لندن، ولكن خاب مسعاه، فلم تقبل دور النشر في لندن المسرحية، وذلك لسيطرة العناصر الصهيونية على الوسائل الثقافية والإعلامية هناك، ولم تظهر الترجمة الإنجليزية لهذه المسرحية حتى يومنا هذا. وقد استطاع باكثير بحدس الفنان الصادق أن يبرز لنا الظروف التي سبقت الهزيمة، وجعلنا نعيش هذه الظروف داخل فلسطين نفسها (3) وقد تنبأت المسرحية بنكبة فلسطين، وقيام الدولة اليهودية فيها " لقد كتب باكثير محذرا من مخططات الصهاينة للسيطرة على كامل تراب فلسطين، ومتوقعا للنكبة قبل ثلاث سنوات من وقوعها، وداعيا العرب والمسلمين إلى الحيلولة دون وقوع فلسطين في قبضة الصهاينة من خلال سياسة المقاطعة الاقتصادية واتخاذها سلاحا يفسد ويصد مخططات التهويد.(4)
فباكثير أكد على أن "الحل الوحيد أمام العرب، هو فرض الحصار الاقتصادي على هذه الدولة الدخيلة حتى تختنق وتموت، وقد قرر لذلك سبع سنوات من تاريخ قيامها ولم يتحقق حتى الآن هذا الجزء من توقعات باكثير، فلأن الحصار الذي فرضه العرب لم يكن محكما كما ينبغي".(5)
وفيما يلي تحليل موجز للمسرحية يتناول العناصر الآتية:
أ-عنوان المسرحية ومكوناتها ب- أشكال الصراع في المسرحية
ج- شيلوك بين شكسبير وباكثير د- شخصيات المسرحية
أ-عنوان المسرحية ومكوناتها :
تعرض مسرحية "شيلوك الجديد" لمشكلة فلسطين قبل أن تتحول إلى مأساة، وقبل أن تسحب الأرض من تحت الأقدام، وتتناول المسرحية القضية من جذورها – فبيع الأرض لليهود – كان فاتحة النكبات التي توالت بعد ذلك – فبيع الأرض يعني ترك الديار – ولا تختلف الأجيال من شعب فلسطين في إدانة هذا التصرف، وأول ما يطالعنا في المسرحية الاسم الذي اختاره المؤلف لها، وهو شيلوك الجديد فهو يشير إلى شيلوك المرابي اليهودي الذي رسمه "وليم شكسبير" في مسرحيته (تاجر البندقية) يشير إلى هذا في أكثر من موضع من عمله.
وتتكون الدراما من جزأين – الجزء الأول: عنوانه (المشكلة)، والجزء الثاني عنوانه (الحل)، هذا البناء لجأ إليه كتاب المسرح المصري فيما بعد – فنرى "معين بسيسو" في مسرحياته الثلاث "ثورة الزنج" 1970م، و(شمشون ودليلة) 1971م، و(المنجم) 1974م؛ يقسم المسرحية إلى جزأين في عدة فصول. كذلك فعل الدكتور عز الدين إسماعيل في مسرحيته (محاكمة رجل مجهو ) إذ قسمها إلى جزأين عنون كل جزء منهما بعنوان. وكذلك فعل صلاح عبد الصبور في (مأساة الحلاج).
هذا التقسيم – الذي كان رائده في مصر باكثير – يتيح لكاتب الدراما حرية الحركة في أن يغير المعمار الدرامي، أو يغير في طبيعة الصراع دون أن تفقد الدراما وحدتها العضوية، أو تبدو كأن الخط قد أفلت من يد المؤلف. كما أنه يعطي الأشخاص فرصة أكبر لحرية الحركة – أي أن التقسيم يخدم التقنية الدرامية.(6)
ب- أشكال الصراع في المسرحية :
في القسم الأول: نرى شكلين من أشكال الصراع:
الشكل الأول: هو الصراع بين"عبد الله" وعمه "كاظم بك"
الشكل الثاني: نجد الصراع بين العرب واليهود اللاصهيونيين في جانب، وبين اليهود الصهيونيين في الجانب الآخر.
- وفي الشكل الأول: نجد أن الاختلاف في المفاهيم هو أساس الصراع ، "فكاظم بك" وطني مخلص لفلسطين، يجاهد بكل الوسائل السلمية ليمنع العرب من بيع أراضيهم لليهود، فيقرض بعضهم المال الذي يحتاج إليه – ينضم إليه في هذا المفهوم "ميخائيل بك"؛ يختلف "عبد الله" إذ يرى أن الوسيلة الوحيدة هي الثورة، وأن ما عدا هذا خنوع واستسلام. ولعله كان أبعد نظرا منهما، فالمال الذي كان يتدفق على الصهيونيين كان بهدف الاستيلاء على الأرض أولا، ثم التمهيد لاستعمال السلاح؛ لم ير فيه كاظم وميخائيل سوى أنه محاولة للتحكم في اقتصاد فلسطين فحسب.
وقبل أن ينتهي الفصل الأول يقتنع كاظم وميخائيل بمنطق عبد الله في أن السبيل الوحيد هو الثورة.
ميخائيل: يظهر أن ابن أخيك على سفاهته لأحكم منا إذ قال: إن الثورة هي العلاج الوحيد.(7)
المفاهيم المختلفة بين عبد الله وعمه كانت الجذور لأن يتخذ الصراع شكلا مغايرا، فعبد الله قد اتخذ من راشيل خليلة له، وهي التي سعت إلى هذه العلاقة كي تنفذ مخطط الصهيونية في الاستيلاء على أرضه. ولكن عمه لم يعالج الموقف بحكمة، بل انساق وراء حماسته، وقرر في ارتجال طرده من المنزل – وهو بهذا يسلمه لقمة سائغة (لشيلوك) وأعوانه – وهو ما حدث – إذ فقد عبد الله أرضه وكرامته من أجل راشيل. وقد شارك عمه بغفلته تلك في سقوطه هذا.
يسير الصراع في صعود تدريجي، فيلجأ عبد الله إلى القضاء لرفع وصاية عمه عنه – ويترافع عنه في القضية "كوهين" المحامي اليهودي الذي يهمه أن يكسب القضية؛ لأن فيها كسبا للصهيونية. وترفع الوصاية عن عبد الله – بيد أن عمه يطلب الحجر على أملاكه لسفاهته، وهنا تكون الفرصة سانحة لليهود كي يقنعوا عبد الله بأن بيعه الأرض لهم يفوت الفرصة على عمه.
وإذ يصل الصراع إلى هذا الحد – يبدأ الهبوط التدريجي، فيفقد عبد الله أرضه – ويدرك حقيقة موقفه – فيعود نادما إلى عمه، ويطلب الصفح عما بدر منه في حقه – ويقرر الذهاب إلى الجبل لينضم إلى المقاتلين تكفيرا عما بدر منه في حق الأرض.

ينتهي الشكل الأول من الصراع بذهاب عبد الله إلى الجبل.
  • أما الشكل الثاني: وهو الصراع بين العرب واليهود فهو أبعد غورا، ويبدأ هذا الصراع – قبل بداية الفصل الأول، فالمسرحية تبدأ واليهود الصهيونيون قد دبروا سقوط عبد الله في أيديهم لبيع أرضه لهم – وسقوط عبد الله يعني الكثير بالنسبة لهم – فهو من عائلة كبيرة في القدس– وسقوطه سوف يؤثر على مقاومة غيره، ممن يدفعون اليهود عن أرضهم، والذين لا يحميهم الأصل الكريم أو البيت الكبير.
وحين يفشل اليهود في حمل عربي على بيع أرضه – يلجؤون إلى الإرهاب – فنرى في الفصل الثاني"كساب جاد" يقبض على "زيكناخ" الضابط اليهودي لأنه قتل أسرة عربية بأكملها – لأن عائلها رفض بيع أرضه لليهود.
ثم نرى "شيلوك" في نهاية الفصل الرابع يطلب من رئيس الجمعيات الإرهابية ألا تقتصر حركة الاغتيالات السياسية على فلسطين، بل تتعداها إلى غيرها من البلاد العربية، وعلى الأخص مصر، ولا تفرق حركة الاغتيالات بين عربي وبريطاني – بل في سبيل مصلحة الصهيونية كل قتل مباح، بالرغم من أن بريطانيا كانت السند الأكبر في قيام وطنهم القومي.
كما أن الصهيونية – أيضا – تتعاون مع من تجد في جانبه تحقيق أطماعها فقد عرضت خدماتها على السلطان عبد الحميد، وعلى غليوم الثاني قيصر ألمانيا – ثم على انجلترا التي وجدوا فيها أذنا صاغية، وقد أشار باكثير إلى هذا.
وتنتهي المسرحية الأولى: المشكلة، وهذا الشكل الثاني من أشكال الصراع – قد وصل إلى ذروته – بالصراع بين العرب واليهود.(8)
أما المسرحية الثانية: الحل: فلا نجد فيها إلا استمرارا لخط الصراع بين العرب واليهود مكان المسرحية هو محكمة القدس، أما الزمان فهو المستقبل. باكثير يقدم حلا لقضية فلسطين لإنهاء صراع العرب واليهود.
والحل الذي يقدمه هو حل رومانسي في إطاره العام؛ لأنه ليس من الممكن تنازل العرب عن فلسطين، ليجرب اليهود إقامة دولتهم اليهودية فيها، على أن تستبعد الدولة من أرضها من لا ترغب في بقائه من العرب حرصا على سلامتها من الجهة السياسية والمالية، وأن يكون للعرب نفس الحق في استبعاد من تشاء من اليهود المقيمين في بلادهم هذا المبدأ من أساسه مرفوض تاريخيا وسياسيا لسببين: أولهما:- أن إقامة هذه الدولة – معناه إقامة حاجز بشري قوي وغريب عن المنطقة، ومن ثم يكون هذا الحاجز قوة معادية لسكان المنطقة، هو تحقيق ما تمناه
(تشرشل): ( إذا شاء لنا الحظ أن نشهد مولد دولة يهودية ليس فقط في فلسطين، بل وعلى ضفتي الأردن فإنا سوف نرى عندئذ وقوع حدث مطابق تماما للمصالح الحقيقية للإمبراطورية ويقصد بالطبع الإمبراطورية البريطانية). وهذا مرفوض سياسيا، والسببان مرتبط كل منهما بالآخر.
إن نظرة المؤلف إلى القضية نظرة فنان أكثر منها نظرة رجل تاريخ وسياسة؛ جعلته يرى أن يقبل العرب إقامة دولة يهودية في فلسطين على سبيل التجربة – وهو يعني أن هذه الدولة لن تستطيع البقاء، على مواردها الخاصة – سوف تطلب بالتالي من عرب فلسطين أن يغفروا لهم، وتعود فلسطين عربية كما كانت، وهذا ما نراه في الفصل الثالث حين يجتمع أعضاء الهيئة الدولية للنظر في قضية فلسطين بناء على تصرفات اليهود واستغاثاتهم بدول العالم لتنقذهم من الكارثة الاقتصادية التي حلت بهم.
وغفل باكثير عن نصف الحقيقة التاريخية لما ارتآه، وهي أن أية دولة يهودية لا تستطيع البقاء في فلسطين اعتمادا على مواردها الخاصة – وإنما تساعدها اليهودية العالمية. وهذه المساعدة لم تنته منذ قيام إسرائيل حتى الآن، ولا يعرف إلا الله وحده متى تنتهي!.
لقد بين باكثير في مسرحيته قبل قيام دولة إسرائيل بسنوات ثلاث عام 1945م، أن حلم إسرائيل أن تجعل العالم العربي مجالا لنشاطها.
وكان باكثير صادق الحس حين قال على لسان:
إبراهام: واقترح على المجلس الموقر أن يصدر قرارا رسميا يحل الصهيونية واعتبارها حركة إجرامية في العالم كله.(9)
وقريب من هذا ما حدث عام 1976م، إذ أدانت الأمم المتحدة الصهيونية واعتبرتها عنصرية.
ج- شيلوك بين شكسبير وباكثير:
إن اختيار باكثير اسم شيلوك الجديد له مغزى كبير، ومناقشة هذا الاختيار يجرنا إلى المقارنة بين شخصية شيلوك عند باكثير وعند شكسبير، فشيلوك شكسبير(قاسي القلب لا يعرف الرحمة في اقتضاء حقوقه المالية، ولا يقبل الإمهال، لهذا كرهه معظم الناس، ولاسيما أنطونيو؛ لأنه كان سخي اليد، كريم النفس، يقرض النقود لأهل الحاجة دون النظر إلى فائدة أو ضمان، ويرفض قبول الربا، ولهذا كان ينقذ الكثير من الالتجاء إلى شيلوك الذي يستغل اضطرارهم، ويفرض عليهم شروطا مجحفة. فليس غريبا أن يكره شيلوك أنطونيو وأن تحتدم الخصومة بينهما، كما أن أنطونيو كان إذا جمعتهما منتديات التجارة، يبادر شيلوك بالتقريع اللاذع على قسوته وشدته على اللاجئين إليه، وكان اليهودي يتجلد لهذه الإهانات، وتجعله موضع السخرية والتحقير بين الحاضرين من وجهاء المدينة، وتجارها، ويبدي صبرا وتغاضيا، وإن كان في الواقع يتأجج في دخيلة نفسه غيظا، ويتحين الفرصة للانتقام.
يقول شيلوك شكسبير: إنه دائما يتذرع بجميل الصبر "ويقبل أن يقرض أنطونيو مستكتبا إياه إقرارا بأنه إذا لم يدفع ما عليه في الموعد المحدد فسوف يقتطع رطلا من اللحم من المكان الذي يختاره من جسمه – فيقبل أنطونيو الشرط – إذا لم يف بالدين، فالرطل من لحم رجل أقل قيمة من رطل الضأن أو البقر أو الماعز.(10)
أما شيلوك باكثير فهو لا ينتظر الفرصة حتى تسنح له، ولكنه يصنع الفرصة – فهو يضع راشيل في طريق عبد الله الفياض، فتزعم أنها تحبه حتى توقع به في حبائلها – عند ذاك تجره إلى الموائد الخضراء، وتلح عليه باستمرار في تقديم الهدايا إليها. وهو يضع كوهين المحامي في طريق عبد الله يترافع عنه في قضية الوصاية التي رفعها عمه عليه، فيكسب له القضية، وعندما يرفع عمه عليه قضية حجر، يقنعه كوهين بأن يوقع على عقد بيع أرض لليهود؛ لأن في هذا تفويتا للفرصة على عمه كي لا يحجر عليه، فيوقع عبد الله على العقد، وبذلك ينجح شيلوك في شراء أرض عبد الله الفياض.
وشيلوك باكثير يصنع الفرصة أيضا حين يأمر بكتابة تقرير للحكومة يحثها على إصدار قانون يمنع تصدير القمح والزيت إلى الخارج، فالمحصول وفير، وسوف يترتب على هذا انخفاض سعر السلعتين، ويعجز الفلاحون عن سداد ديونهم، فيبيعون أرضهم، وهنا يتقدم اليهود لشرائها.
شيلوك شكسبير سلبي؛ لأنه ينتظر الفرصة لتواتيه، وقد لا تأتيه، أما شيلوك باكثير فهو إيجابي يصنع الفرص بنفسه حتى لا يوقع عبد الله وحده، ولكن فلسطين كلها شعبا وأرضا في قبضة اليهود!.
نخلص من هذه المقارنة بين رسم كل من الكاتبين لشخصية شيلوك إلى أن شكسبير قد رسم بعدين لشيلوك:
- البعد الأول هو إحساسه كيهودي باحتقار المسيحيين له، وانتظاره الفرصة حتى يوقع بهم في شخص أنطونيو، وهو في انتظاره يقرض المسيحيين بالربا حتى تربو ثروته، وحتى يسيطر عليهم اقتصاديا –وهو في سبيل المال يعد كل شيء حلالا (وكل ربح ما لم يجئ من السرقة فهو حلال).
-البعد الثاني هو انعدام الإحساس بالكرامة والكبرياء والشرف عنده، فلا يهتم بأن يكون لابنته عشيق يهرب بها، ولكن ما يؤذيه هو أنها سرقت معها بعض ماله! وهذا البعد مرتبط بالبعد الأول.
أما باكثير فقد رسم لشيلوك أكثر من بعد؛ فهو أكثر إيجابية من سميه – لا ينتظر الفرصة، ولكنها يصنعها – فهو يضيق الحصار حول فلسطين حتى تسقط.
وجدير بالذكر أن شيلوك باكثير يمثل نمطا يمثل كل يهود العالم الصهيوني، أما شيلوك شكسبير فلا يمثلا إلا يهود البندقية الذين تبلغ أقصى أطماعهم حد السيطرة الاقتصادية.
شيلوك القرن العشرين يحارب على كل الجهات؛ يحارب على جبهة اللغة، فيفرض اللغة العبرية في بلدية القدس لغة حديث ومناقشة، وفرض اللغة يعني فرض الثقافة، وفرض الإنسان صاحب هذه اللغة وتلك الثقافة. ويحارب على جبهة الاقتصاد، فهو يتدخل في كل الشؤون المالية في فلسطين بشكل يتيح له السيطرة من ناحية، وإفقاد العرب القدرة الاقتصادية على العيش في بلدهم. ويحارب على الجبهة السياسية، فهو يستخلص من الدول الكبرى وعدا تحت ضغط الحاجة، ويضطرها إلى تنفيذه. ويحارب أيضا على جبهة الأخلاق، فهو يجر شباب العرب إلى الخمر والجنس والموائد الخضراء لكي يخسروا المال والكرامة جميعا، وأما الجنس فهو الطعم الذي يدفعهم إلى السقوط في الرذيلتين الأخيرتين من ناحية، ومن ناحية أخرى حتى تنشط حركة النسل اليهودية؛ لأن اليهودي هو من كانت أمه يهودية، ولا يهم أن يكون أبوه يهوديا أو غير يهودي.
شيلوك باكثير أكثر عمقا وأكثر ثراء من شيلوك شكسبير، منذ بداية المسرحية وشيلوك شكسبير ينتظر الفرصة للإيقاع بأنطونيو، وحتى يوقع به، فيأخذه أخذا عنيفا لا رحمة فيه، ولكن الأمر ينتهي به، وقد أمسك به هو فوقع في الشرك، وأخذ أخذا يتناسب مع جرمه الذي أصر على ارتكابه بالرغم من محاولات الاستعطاف حتى يخلي بينه وبين أنطونيو، ويقبل أضعاف الدين أو أصله، ولكنه شره إلى رطل من لحم أنطونيو.
منذ بداية المسرحية – وشيلوك باكثير يصنع الفرص للإيقاع بفلسطين حتى أتيحت له، وتقع فلسطين ويضيق الخناق عليها، فيعرض التنازل عن رطل اللحم – فلسطين– من جسد الأمة العربية مقابل أن يعيش اليهود كما كانوا بفلسطين، ولكن يرفض الطلب، ولا يسمح لليهود بدخول فلسطين إلا في حالة الحج فقط، كما رفض طلب شيلوك شكسبير باسترداد أصل الدين.
البناء في العملين يكاد يكون واحدا، والخط الدرامي فيهما متقارب والعقدة الدرامية واحدة، شيلوك شكسبير يريد اقتطاع رطل اللحم من جسد أنطونيو ومن صدره قريبا من القلب، ولا يهمه بعد ذلك إن كان غريمة يموت أو يحيا!
وشيلوك باكثير يريد اقتطاع فلسطين من جسد الأمة العربية، وبذلك يصبح من حقه -على حد زعمه- الجسد كله.(11)
شخصيات المسرحية: جعل باكثير من شخصية شيلوك المحتوى الواضح لكل أطماع الصهيونية في القرن العشرين، في حين جعل منه شكسبير المحتوى ليهود العالم في القرن السادس عشر. وجاءت شخصية شيلوك كما رسمها باكثير أكثر ثراء وأكثر عمقا من شيلوك شكسبير.
ومن الشخصيات المرسومة بإتقان شخصية (عبد الله) فقد تعمق المؤلف أبعادها النفسية والفكرية، وهو نمط من بعض شباب فلسطين؛ باع الأرض جريا وراء حسناوات صهيون. فقد الأرض والعرض وبات يتساءل كما يتساءل بسيسو: أين هي الأرض؟ وأين الحرية؟ عبد الله شخصية درامية، فقد تحول من شاب لاه عابث إلى مقاتل يحمل السلاح دفاعا عن أرض بلده التي سبق أن شارك في ضياعها، وهذا التحول من جانبه جاء نتيجة توتر وقلق نفسي. كان أول الأمر يفكر تفكيرا سطحيا، تغلب عليه نزعة الشباب واندفاعه، أراد أن يلهو براشيل، وكانت من جانبها تنفذ ما رسمه لها "شيلوك" من الإيقاع بالفتى كي يبيع أرضه لليهود –رغم تحذير عمه له، وتحذير ميخائيل له- فإنه لم يرعو، واستمر في غيه!.
ومسرحية (شيلوك الجديد) ثرية ثراء عريضا بإيحاءاتها وتلميحاتها، وبما تضمنت من رمز يدين فيها (باكثير) العرب الذين باعوا أرضهم لليهود، ويدين فيها الفلسطينيين الذين لم يتأهبوا للكارثة، ليصدوها عن أنفسهم، بل شاركوا في صنعها.
والمؤلف يهيب بالعرب أن يتحركوا ليدرؤوا الخطر الزاحف.
فالصهيونية العالمية تبغي أن تقتطع من قلب الوطن العربي والعرب سادرون في غفلتهم، وشيلوك القرن العشرين يعمل جاهدا لإقامة الوطن القومي لليهود.
ويجعل منه نقطة ارتكاز للسيطرة على العالم العربي كله، والحوار الآتي – وهو آخر كلمات المسرحية يحمل النذير من باكثير، ويدق به ناقوس الخطر – بعد أن انتحر شيلوك كما جاء في العمل:
عربي باشا: لقد خدم القضية العربية بمجهود.
عبد الله: خدمة غير مشكورة.
نادية: بل علينا أن نشكره... إنه أيقظنا من سباتنا ثم نام.(12)
والمؤسف أن شيلوك باكثير لم ينم، وأنه في الواقع مازال يعيش..!
الهوامش :
1- عبد الفتاح قلعه جي، تجارب مسرحية... ومقارنات، مجلة الكويت، العدد 215، ص 66
2- علي أحمد باكثير، فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية، ص 44
3- نادية سعد معوض، علي أحمد باكثير كتب تحت راية القرآن، مجلة منار الإسلام، ربيع الأول 1426 هـ، ص 55
4- إبراهيم الأزهري، أيام مع باكثير، ص 127
5- علي أحمد باكثير، فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية، ص44
6- أحمد السعدني، أدب باكثير المسرحي (الجزء الأول)، مسرح باكثير السياسي، ص 230
7- علي أحمد باكثير، مسرحية (شيلوك الجديد)، ص 26
8- أحمد السعدني، أدب باكثير المسرحي، ص 236
9- علي أحمد باكثير، مسرحية شيلوك الجديد، ص 152
10- شكسبير، تاجر البندقية، ص 57
11- أحمد السعدني، أدب باكثير المسرحي، ص247
12- علي أحمد باكثير، مسرحية شيلوك الجديد، ص 163








التعديل الأخير تم بواسطة محمس عربي ; 19-11-2011 الساعة 12:24 PM
  رد مع اقتباس

شيلوك الجديد ( المغامرة والحتمية التاريخية )بقلم محمد عباس عرابي
قديم منذ /25-12-2011, 01:49 AM   #2 (permalink)

عضو فعال

بنوته جنوبيه غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 582701
 تاريخ التسجيل : Sep 2010
 الجنس : ~ MALE/FE-MALE ~
 المشاركات : 34
 النقاط : بنوته جنوبيه is on a distinguished road

افتراضي

طرح رووعه تسلم يمنااك

الله يعطيك العافــيــهـ..







  رد مع اقتباس
شيلوك الجديد ( المغامرة والحتمية التاريخية )بقلم محمد عباس عرابي
قديم منذ /10-02-2012, 06:37 PM   #3 (permalink)

عضو نشط

ريناد الحلول غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 789386
 تاريخ التسجيل : Feb 2012
 الجنس : ~ MALE/FE-MALE ~
 المشاركات : 90
 النقاط : ريناد الحلول is on a distinguished road

افتراضي

الف شكر وجزاكم الله خيرا








  رد مع اقتباس
شيلوك الجديد ( المغامرة والحتمية التاريخية )بقلم محمد عباس عرابي
قديم منذ /06-09-2012, 12:38 PM   #4 (permalink)

عضو فعال

مسك11 غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 654242
 تاريخ التسجيل : Jan 2011
 المشاركات : 57
 النقاط : مسك11 is on a distinguished road

افتراضي

شكرأتسلم الأيادي








  رد مع اقتباس
شيلوك الجديد ( المغامرة والحتمية التاريخية )بقلم محمد عباس عرابي
قديم منذ /27-09-2012, 03:00 PM   #5 (permalink)

عضو فعال

العنيد941 غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 195794
 تاريخ التسجيل : Feb 2007
 المشاركات : 53
 النقاط : العنيد941 is on a distinguished road

افتراضي

مشكورررررررررررين








  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

جامعة نجران

Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
الساعة الآن 07:10 AM

  • روابط هامة
  • روابط هامة
LinkBack
LinkBack URL LinkBack URL
About LinkBacks About LinkBacks

SEO by vBSEO 3.6.1