Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Armco FX هي شركة وساطة واستثمار عالمية مرخصة ومتخصصة في أسواق المال العالمية.
العسل الحر


الثقافة والأدب الثقافة والأدب

إضافة رد
العدد12 من مجلة الأدب الإسلامي
العدد12 من مجلة الأدب الإسلامي
قديم منذ /04-01-2012, 02:46 PM   #1 (permalink)

عضو مميز

محمس عربي غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 426628
 تاريخ التسجيل : Oct 2009
 الجنس : ~ MALE/FE-MALE ~
 المشاركات : 324
 النقاط : محمس عربي is on a distinguished road

افتراضي العدد12 من مجلة الأدب الإسلامي

مقومات القصيدة العربية عند عبد الله الطيب بين الثبات والتغير - ج1
كتب
د.لطيفة الوارتيمقدمة:
تعد القصيدة من أهم القضايا الفنية التي تتناول الكون وما فيه. لهذا تعددت الدراسات حولها واختلفت المناهج قديما وحديثا في أبرز مكوناتها، وماهيتها، وعناصرها، ثم علاقة الشاعر بالشعر، وبالقصيدة.
فالشعر ليس مثل الفكر، ولا ينبغي أن ينظر إليه كما ينظر إلى الفكر، فهو لا يقوى على الإحاطة بل على التلمس، ولا على إملاء النيات بل على التعثر والتردد والتخطيط في الدنو من إعلان الكلام.
والشاعر يعرف غاية الشعر، فلا يحمله فوق طاقته، كأن يصبه في دعوة أو ادعاء، بل تراه يتسرى بحثا عن الهارب الذي يغوي عيوننا ويفلت منا. الشعر لحظة مشرقة عن الأبدية، وهو لا ينفصل عن الحياة، بل إنه هو الحياة. فالإقبال عليه إقبال على الحياة، وفي هذا ما فيه من إقصاء للنظرة التقليدية إلى كتابة الشعر بوصفها عملا إلهاميا، يرتبط بقوة غيبية.
[1]فكتابة الشعر عمل ينطوي على الكثير من الرغبة والقدرة والتخصيص والتوجه[2]. فالشعر لا يؤتى، والشاعر يرى أن جودة الكتابة في القصيدة وليس خارجها. فالقصيدة كيان لا يمكن رؤيته بالبصر المجرد من البصيرة، أو بالعقل المنفصل عن الخيال والوهم والحواس، فهي لحظة، حالة، كما يرى شابل داعر وأكتافيو باز وغيرهم، وفي الوقت نفسه شكل من أشكال الكتابة، تخضع لشروطها التأليفية كسائر فنون الكتابة، فمنذ العهود الأولى سن النقاد أسسا وقيما وأعراقا واضحة لتحديد مقومات القصيدة العربية التي وصلت كاملة في أبهى حللها وأنقى ملبسها وألمع جوهرها، والتزم الشعراء اللاحقون نهج هذه القصيدة أحقابا طويلة، فأخذت تتمايل وتتلون مع متغيرات العصور وفتن الدهور ومختلف الفنون إلى أن تمكنت منها رياح التجديد في العصور المتأخرة فأكلت جسمها، ونخرت هيكلها، وبددت شملها، وشتت جمعها حتى أصبحت على الشكل الذي انتهت إليه.
ولم يكن العلامة الأديب عبد الله الطيب بعيدا عن هذا المجال، وهو الشاعر الناقد، المحلل، بل درس القصيدة العربية وتمكن من فهم أسسها واستنباط قضاياها، وحلل مضامين أبياتها، وأعطى العربي الأسبقية في أمور ادعت القصيدة الغربية أسبقيتها، ووعاها العربي بسجيته وفطرته دون اطلاع على قواعد مقننة أو عناصر مدروسة كالوحدة العضوية، ورمزية الأغراض، وبحور القصيدة وموسيقاها وعمودها أو مذهبها، وحسن المبدأ والمخرج، وحسن الوصف، وجمال بنائها... ولخصوصية المقام اقتصرت على بعض هذه المقومات حيث قمت بدراستها واستنباط رأي العلامة عبد الله الطيب فيها بتعريفه للقصيدة وحكمه فيها، أو مقارنته لها بالقصيدة الغربية، ثم أنهيت حديثي بإبراز تميزه في هذا الأمر أو ذاك. فجاء تقسيمي للموضوع على الشكل الآتي:
-القصيدة وماهيتها.
-الوحدة العضوية في القديم والحديث
-موضوعات القصيدة ورمزيتها
-الإيقاع في القصيدة العربية: المفهوم والأسس
-خاتمة أو استنتاج.
والحقيقة أن هذه اللحظات أو هذه الآونة لا تفي بحق رجل عظيم سخر قلمه وفكره لخدمة الأمة التي أخرت للناس، فجال وصال، وسافر وأقام، وحاضر وألف وكتب. فمؤلفاته واستنتاجاته الفنية ومقالاته تغني عن شهرته، وتمكن المطلع عليها من رؤية فكره وإبراز صيته. لذلك أرجو من الله العلي العظيم ألا أكون جانبت الصواب فأخللت في إبراز حق هذا الرجل في خدمته للقصيدة العربية عبر فترات متعددة ومراحل مختلفة، والله أسأل الثبات في الحياة والمماة فإنه "لايكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت"، و"ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا إنك أنت الوهاب".
*القصيدة وماهيتها.
كلمة "قصيدة" صيغة مبالغة من الفعل قصد، و"القصيد من الشعر ما تم شطر أبياته. وفي التهذيب: شطر أبنيته سمي بذلك لكماله وصحة وزنه، وقال ابن جني: "سمي قصيدا لأنه قصد واعتمد، وإن كان ما قصر منه واضطرب بناؤه نحو الرمل والرجز شعرا مرادا مقصودا، وذلك أن ما تم من الشعر وتوفر آثر عندهم وأشد تقدما في أنفسهم، مما قصر واختل، فسموا ما طال ووفر قصيدا، أي مرادا مقصودا، وإن كان الرمل والرجز أيضا مرادين مقصودين، والجمع قصائد، وربما قالوا: قصيدة"[3].
وقيل: سمي الشعر التام قصيدا لأن قائله جعله من باله، فقصد له قصدا ولم يحتسه حسيا على ما خطر بباله وجرى على لسانه، بل روى فيه خاطره، واجتهد في تجويده، ولم يقتضبه اقتضابا فهو فعيل مفعول من القصد"[4].
فالقصيدة إذن تدل على البنية المسبقة لخلق النظام الشعري، وأهميته في النقل الواعي في تشكيل النص، وقد عرف قدامة بن جعفر الشعر بأنه "قول موزون يدل على معنى. وجعل له أربعة عناصر: اللفظ، والوزن، والقافية، والمعنى". وكذا تبعه ابن رشيق القيرواني إلا أنه أضاف النية المسبقة في نظم الشعر.
وهذا التعميم في حد الشعر من شأنه أن يدخل في الشعر كل كلام موزون مقفى، وإن لم يكن ينطوي على مقومات الشعر الحقيقية[5] لأن من الكلام موزونا مقفى وليس بشعر لعدم الصدق والنية. فابن رشيق اشترط النية المسبقة في تعريفه للشعر ليميز القصيدة عن بعض آيات القرآن الكريم والحديث النبوي التي تعتبر نظاما غير مقصود، أي أنها كلام موزون مقفى دال على معنى، لكن لم تتوفر فيه النية المسبقة في خلق النظام الشعري[6].
فالشاعر ينقل تجربته النفسية عبر القصيدة إلى المتلقي بطرق فنية قد تجعل النفس تنبسط لما تنقبض منه عادة أو تنقبض لما اعتادت أن تنبسط منه، وهذا المعنى الذي يعطي الشاعر قوة سحرية، يقدر بها على أن يحول الشيء إلى نقيضه، منسجم تماما مع ما عرف عن العرب من نسبة الشاعر إلى قوة غيبية تمده بما يجعله قادرا على أن يرفع من يشاء ويخفض من يشاء! كما أنها تتلاءم كل الملاءمة مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إن من البيان لسحرا). فالشعر أمر فني موضوعه المحسوس والمعيش الوجودي، المعبر عنه بلغة خاصة تميزها الإيقاعات والأصوات والصور والنغمة، يخضع هذا الأثر للقلب، وينبع من الروح، ولا يستمد مبرر وجوده من العقل.
هكذا يتبدى في الظاهر أن وضع الشعر موضع التأمل ينطوي على مفارقة، لكن أليس الكائن البشري الذي يفكر ويتأمل هو نفسه الذي يصنع عواطفه وأحاسيسه شعريا؟ إنه كائن يشكل وحدة يتكامل فيها العقل والقلب. انطلاقا من هذه الاعتبارات يحاول المتلقي أن يتأمل في توتر حركة الشعر وجوهر الشاعرية، كتجل للكائن عبر هواجسه وحنينه وخيبات آماله وأفراحه وأتراحه، إلا أن هذا التجلي يطرح قضية أخرى هي العلاقة بين كينونة الكلمة/الكلمات، وكينونة الإنسان/الشاعر في إطار القصيدة كفضاء يلتقي فيه العشق والعمر والعبارة، وكأبعاد تعدد المعنى، وكنظم يحول دون تحطيم الرمز، وبذلك تتيح الموافقات التواصل الذي يضمن وصول خطاب الشاعر مخترقا الحدود والآفاق ومتجاوزا نسبية اللغات والأفكار"[7].
فالشاعر يعي العالم وعيا جماليا، ويعبر عن هذا الوعي تعبيرا جماليا، ومن هنا كانت القصيدة بنية لغوية معرفية جمالية، وأي تجريد لهذه البنية من أي عنصر من عناصرها يعد إخلالا بمفهوم الشعر، أو انحرافا عنه.
إن وحدة القصيدة الشعرية لا تقبل التجزئة أو التحليل إلى شكل ومعنى، فالمعنى شكل تحول إلى معنى والشكل معنى تحول إلى شكل، ولهذا جاءت تعريفات النقاد والقدماء للقصيدة تنحصر في ضرورة وحدتها وتحديد عدد أبياتها باعتبار القصيدة ذروة الشعر لما فيها من عنصر المكافحة وجزالة الصدق الفارس[8]. قال ابن جني: "فإذا رأيت القصيدة الواحدة قد وقع عليها القصيد بلا هاء، فإنما ذلك لأنه وضع على الواحد اسم الجنس اتساعا... وليس إلا ثلاثة أبيات فصاعدا أو ستة عشر فصاعدا.."[9]. وعلى هذا المفهوم سار الطيب للقصيدة فعرفها بأنها "ما تألف من عشرة أبيات فأكثر، أو سبعة فأكثر. وما دون ذلك فهو القطعة والمقطوعة. والأراجيز من ملحقات القصائد"[10]، ثم يركز حديثه على القصيدة باعتبارها جوهر الشعر العربي وعليها مداره"[11]، بل إنه يثبت أسبقيتها عند العربي قبل غيره يقول: "والقصيدة العربية فن من الشعر لم يكن لأرسطو طاليس به علم، قل أو كثر، وإنما كان عمله عند العرب الأولين، ثم حيز ذلك إلى الخليل بن أحمد وخلف وطبقتهما. وقد كان الجاحظ وابن قتيبة والمبرد والقالي والمعري وابن رشيق وابن المعتز أعلم به من أصناف من يحسبون أنهم به علماء من مقلدي الفكر الإفرنجي من معاصرينا..."[12].
إن الوحدة الشعرية إذن لا تلمس إلا في علاقة مباشرة مع القصيدة، ولكننا يجب ألا نمزج بين القصيدة والشعر. إذ كل قصيدة أو بالأحرى كل عمل شعري مبني على أصول القصيدة وقواعدها لا يحتوي دوما على الشعر، إنما هو هذه الأعمال المنتظمة قد لا تكون سوى مواد فنية، لغوية أو نحوية، فالقصيدة عمل، والشعر يستقل وينفرد في محصول إنساني، لوحة أغنية، أو مسرحية، وقد يمكننا استجواب القصيدة عن ذات الشعر إذا توقفنا عن اعتبار هذه القصيدة كشكل قادر على استيعاب أي شيء، إذ ليست القصيدة شكلا أدبيا، إنما هي مكان التقاء الإنسان والشعر، فالقصيدة نظام مكتوب يحتوي الشعر، إذا نظرنا جيدا إلى القصيدة، وجدناها قادرة على تنويع أشكالها، بينما نعتقدها ذات وجه واحد، إذن فكل قصيدة تشكل وجها مغايرا لسابقاتها[13]، وكل قصيدة جسم أو جسد طبع بتقنية ماتت عند الخلق نفسه. والشاعر يؤلف اللغة ويصنفها في وقائع شعرية كالصور والألوان والرؤى فيجعلها في قصائد. والشاعر يتغذى بواسطة الأساليب الكتابية التي بدونها لا وجود للقصائد، لكن الأساليب تولد، تنمو وتموت، أما القصائد فتبقى، ويؤلف كل منها وحدة مكتفية بذاتها لا تتكرر أبدا.
فالقصيدة مؤلفة من كلمات، مع كونها لونا وصوتا هي أيضا معنى[14]. فالشعر ليس مجموع كل القصائد، وكل خلق شعري، مكتف بذاته وكل قسم شعري مستقل بذاته، وكل قصيدة هي فريدة وغير قابلة للتكرار، يقول أو كتافيوباز: "وكما نرى عبر جسد الحبيب حياة أغنى بالمعاني، نرى كذلك عظمة الشعر عبر القصيدة، وفي لحظة تحتوي كل اللحظات وكل الزمان يتوقف حينها الوقت، لكنه لا يكف عن المرور باستطاعتنا الوصول إلى التجربة الشعرية عن طريق القصيدة التي هي إمكانية مفتوحة لكل إنسان أيا كانت قدراته ونفسيته"[15].
فالقصيدة إمكانية لا يمكن أن تعيش إلا عند احتكاكها بالمتلقي، فالمشاركة عامل مشترك لكل القصائد، وفي كل مرة يعيش القارئ القصيدة يصل إلى حالة نسميها بالشاعرية، فالشاعر يولد صورا، أي قصائد، والقصيدة تعيد إلى القارئ صورا وشعرا، فيقاتل الشاعر مع عنترة، ويطلب الثأر مع امرئ القيس، ويجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذر مع كعب بن زهير... وهكذا مع كل القصائد القديمة والحديثة، فالقارئ يعيش صورة وينكر التتابع.
*الوحدة العضوية في القديم والحديث:
إن الوحدة العضوية في القصيدة العربية تقوم على بنيات حيوية تتمثل في اللفظ وموقعه في البيت بكامل إيحاءاته النفسية والصورية والموسيقية، كذلك على وحدة المعنى والمشهد في البيت الواحد، وتضافر هذه الوحدات لتشكيل الغرض الرئيسي بكل ما يحمله من معان ومشاهد وأحاسيس وأخيلة[16]، لذلك فالوحدة العضوية هي الهيكل الأساس، وهي الكلية التي تتجزأ إلى وحدات تتمثل بوحدة البيت ووحدة المشهد، ووحدة القصيدة ككل منظور متكامل، وبعد إنجاز الهيكل على طريقة الهندسة المعمارية تؤسس البناية بالصور والموسيقى والإيقاع والأخيلة، ثم بالتلاوين والحركة الخارجية والحوار والشعور والإحساس الداخلي[17].
فالوحدة العضوية تتمثل في تراتبية القصيدة وصورها ومعانيها، أما الوحدة المعنوية فهي إرادة جوهر المعنى، وبكلمة أدق تصميم الشاعر للغرض الرئيسي الذي هو بدوره الأس الذي قامت عليه القصيدة[18].
وقد تميزت آراء الدارسين في القديم والحديث عن وحدة القصيدة وتشكيلها: هل في القصيدة برمتها، أو في البيت الواحد باعتبار البيت الشعري يقوم بوحدته المعنوية، ويشكل الداعم الرئيسي للبنيان الشعري الذي يقوم على تراتبية المعنى والموسيقى والمشهد بأبعاده النفسية والإيحائية والشعورية والخيالية والتخييلية الظاهرة والباطنة، حتى ليبدو البيت الواحد بأبعاده المعنوية المفتوحة غرضا نصيا قائما بذاته!؟ فالقدماء لم نجد في آرائهم ومناقشاتهم ما ينفي هذا الأمر، يقول عبد الله الطيب: "وأما القدماء فلم يشكوا في الوحدة فيتحدثوا عنها، وإنما ألمعوا وأومؤوا كعادتهم شعر له قران، وشعر ليس له قران"[19].
وتحدث الجاحظ عن الوحدة فرأى أن "أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه أفرغ إفراغا واحدا، وسبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان"[20]، فالوحدة عنده تتمثل في وحدة البيت والتداخل بين شطريه، فيصبح من جراء ذلك "البيت بأسره كلمة واحدة حتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد".
ويفصل حازم القرطاجني بين القصائد الطويلة والمتوسطة والقصيرة، وبين القصائد البسيطة والمركبة، ويشرح أساليب الافتتاح والإرداف والتخلص، والخروج والاختتام، ويتحدث عن الانعطاف والالتفات باعتبارهما وسيلتين للتخلص، فـ"الانعطاف بالكلام من جهة إلى أخرى، أو عرض إلى آخر، لا يخلو من أن يكون مقصودا... والالتفات أن يجمع بين حاشيتي كلامين متباعدي المسافة والأغراض"[21].
وابن خلدون يرى أن البيت الشعري يمثل وحدة القصيدة، لأن بعض الأبيات تشكل غرضا متكاملا يمثل أفقا متخيلا. إنما ظهر الحديث فيه مع ظهور التيارات الجديدة والمذاهب التي أخذت من الفنون الغربية، لذلك دحض طه حسين ادعاءات من قال بتفكك القصيدة العربية، وقيامها على الإيقاع فقط، وهو يرى أن تفكك القصيدة العربية واقتصار وحدتها على الوزن والقافية دون المعنى ادعاء يشبه الأسطورة، بل هو أسطورة من هذه الأساطير التي أنشأها الافتتان بالأدب الأوربي الحديث، والقصور عن تذوق الأدب العربي القديم.
ويقول محمود محمد شاكر:"وأنا وإن كنت لم أتناول موضوع "وحدة القصيدة" بصريح الذكر في هذه المقالات، فإني كشفت بتطبيق منهجي على هذه القصيدة، عن أن الوحدة "كائنة في الشعر الجاهلي، واضحة فيه كل الوضوح، وإن كل عبث بترتيب أبياتها، أو ترتيب أقسامها السبعة يهدم بناءها هدما لا صلاح بعده، ويدمر نغمها المتكامل ودلالته، ومعانيه تدميرا مخزيا لمن فعله، ومهينا لفن الشعراء، ومذلا لعقل من يقبله، فأحببت أن أجعل سياق البيان عن القصيدة، يدل بنفسه على أن العلة ليست في خلو القصيدة الجاهلية من "الوحدة"، بل العلة كامنة في المفهوم الساذج القريب الغور الذي تدل عليه "وحدة القصيدة" عند من ينظر في الشعر نظرة خاطفة بلا تأمل ولا تميز. وأيضا في المفهوم الذي هو أشد سذاجة وأقرب غورا، عند من يتحدث اليوم فيما يسمونه "التجربة الشعرية"، أو "التجربة الفنية" على وجه العموم"[22].
أما عبد الله الطيب وبعد دراسته للآراء، وتمعنه في الشعر القديم والحديث فقد رأى أن القصيدة العربية كالجسم الواحد لا يمكنه أن يتفكك أو يظهر بدون أعضائه فيسمى جسما كاملا، وإلا كان ناقصا إذا بتر أحد أعضائه، والقصيدة كذلك؛ يقول: "وكان أمر الوحدة في القصيدة العربية مستمدا في جوهره من موسيقى القصيدة ومن رمزيتها، ومن المعاني الواضحة التي تطرقها بعد ذلك، وفوق ذلك كله من نفس الشاعر وحرارته، إذ القصيدة كلها حديث صريح بلسانه، وإفصاح جهير بمكنون نفسه، وروم بيِّن إلى أن يشاركه السامع في تجربته"[23].
فعبد الله الطيب يثبت فطرة العربي في تذوق النص الشعري والتمعن في لمس وحدته وتناسق بنيانه حيث يعقد مقارنة بين القصيدة العربية والغربية التي تعتمد على أصول مقننة، وقواعد مثبتة مستمدة من الثقافة اليونانية وما وضعه أرسطوطاليس؛ يقول: "ولقد كانت العرب لا تعرف هذا الشيء الذي يقولون له الآن: "الوحدة العضوية" (الذين جعلوا الله عضين) ...ذلك بأن العرب لم يقرؤوا أرسطوطاليس ليتعلموا منه نقد الشعر، كما فعل الإفرنج من بعدُ في حرصهم على أن ينتسبوا إلى اليونان والروم، وأن ينسبوا هؤلاء إلى أنفسهم، ويدعو إرثهم دون سواهم من البشر"[24]، ثم يقول: "وما ضر العرب شيئا أنها لم تعرف هذا الذي يقال: إنه سماه أرسطو طاليس "الوحدة العضوية"، وإنما كانت العرب تعرف شيئا يقال له: "نَفَس الشاعر"، وهو الجسم النغمي النوري الروحي الذي يميز بين كامل عنترة وكامل لبيد، وطويل امرئ القيس وطويل طرفة وزهير لا بين طويل : سما لك شوق بعدما كان أقصرا
وطويل : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"[25]
ثم يناقش الذين نفوا أمر الوحدة في القصيدة العربية عربا كانوا أو مستشرقين فيقول: "ولاختلاط هذه العناصر المكونة لوحدة القصيدة العربية وتلاحمها تلاحما يبلغ بها أحيانا إلى نوع من الأثيرية التي لا تكاد تحس، خفي أمرها عن كثير من النقاد. أما عامة المستشرقين فجزموا بفقدانها على أن منهم من لم يخف عنه وجودها من هؤلاء المحقق كارلوس يعقوب ليال، وإدراكه لوجود هذه الوحدة يستشفه بعد، باطل حنبريت، عليه ظلال آراء العنصرية التي كانت نافقة في القرن التاسع عشر، من ذلك مثلا حديث مقالة الشعر في الموسوعة البريطانية في أخريات كلامه عن الشعر العربي.
وأما المحدثون من نقادنا فالغالب عندهم أن الوحدة شيء مفقود في القصيدة العربية"[26]. فمهما تباينت الآراء والأقوال فإن القصيدة العربية القديمة استوفت حظها من الوحدة المعنوية حيث جاءت القصيدة ملتئمة الأجزاء، منسقة الصورة، متلائمة الموسيقى، جمعت بين جمال اللفظ والمعنى، والوزن والقافية.
ورغم أن الشعراء عبر العصور حاولوا تجديد هذه القصيدة، وتغيير شكلها، وتفكيك وحدتها إلا أنها ظلت وفية للقالب التراثي في معظم أشعارها، متمسكة بوحدتها كأنها بنيان مرصوص.
وكان ثمة تعارض بين اتجاهين في قول الشعر ونقده:
أحدهما يجنح إلى الغموض والغوص على المعاني وإيراد النظرات الفلسفية، وفي هذا الاتجاه نلمس أثر الفلسفة اليونانية ومنطق أرسطو.
واتجاه آخر يحمل الطابع العربي الخالص الوفي لأعراف الشعر والقصيدة العربية التراثية. على أن أثر الثقافة الإغريقية كان مقصورا على الجانب الفكري في أشعار الشعراء القدامى العقلانيين، ولم يمس شكل القصيدة. فقد ظل الشعراء ينظمون شعرهم على الأوزان الخليلية ورسوم القافية المتوارثة[27]، لكن في العهود الحديثة بدأت رياح التجديد القادمة من الغرب تؤثر في كيان هذه القصيدة فتأثر الشعراء بالمذاهب الغربية، فبدت مفككة الأطراف، متلاشية يلفها الغموض في اللفظ والمعنى حسب توجه المدارس والاتجاهات الشعرية الغربية؛ فهذه كلاسيكية، وتلك رومانسية، وأخرى بنيوية، ورابعة رمزية، وغيرها من المدارس والاتجاهات الشعرية الغربية. وهكذا تمزقت القصيدة شذرات أشتاتا، وتمزقت بذلك وحدتها التي أصلها الشعراء، وعبث بها النقاد فأفسدوها. لقد كان هذا النهج هينا قريب المنال تغري سهولته بالاستزادة، ووجده كثير من الشداة والناشئة سبيلا ذلولا موطأة الأكناف، فجروا فيها طلقا، وتوجس عدد من كبار دارسي الشعر مما رأوا، وأحسوا إحساسا قويا أن دراسة الشعر على هذا النحو ما هي إلا غثاء أحوى، فانطلقوا يؤسسون نظرة جديدة ولاسيما بعد ظهور الشاعر والناقد الأمريكي توماس إليوت (1965).
يقول عبد الله الطيب مشيرا إلى مذهب إليوت وفكره وثقافته ثم قراءة شعره ومحاولة فهمه: "وأعجب ما في هذا المذهب زعمه التأثر بإليوت، وتقديم التسليم أنهم قرؤوا إليوت وتأثروا به، وهو امرؤ كثير الاستشهاد باللاتينية والألمانية، وشعره أبعد شيء عن الشعبية... فما أحسب أن صناعة "الإيليوت" هي التي أثرت في هؤلاء الذين يقال: إنهم تأثروا به، ولكن بعض أفكاره... واعلم أن صناعة إيليوت تحتاج إلى نظر شديد في أصناف عقد أعاريض الشعر الإنجليزي... وأشك جدا أن تكون طريقته يفهمها غير إنجليزي فهما دقيقا... لأن وزنها المجرد تحجبك عنه ضروب من محاولة الرجعة إلى طريقة التنغيم الأنجلوسكسونية القديمة مع تصرف شديد في أمر المقاطع والجناس..."[28] فشعر إليوت يتسم بالغموض، ولكنه غموض العمق لا غموض بلاغة اللفظ والزينة، كما يتسم بالإفراط ولكنها صور عسيرة على التصور، ولا بد من إمعان النظر فيها لتكشف عن مدلولاتها، وقد اضطره منهجه هذا إلى التضحية بالشكل الشعري المتوارث في سبيل التعبير عن المحتوى، فظهر على يده ما عرف بالشعر الحر الذي لقي رواجا لدى طائفة من شعرائنا المحدثين والمعاصرين فراحوا يقلدونه، وينظمون القصائد تبعا لمنهجه، فظهر نتيجة لذلك الشعر الحر أو شعر "التفعيلة" بمعناه الحقيقي المتحرر من قيدي الوزن والقافية الذي أدار ظهره للشكل المتوارث[29]. فجاءت أشعار نازك الملائكة وبدر شاكر السياب، وأحمد زكي أبو شادي، وصلاح عبد الصبور... وغيرهم، ثم تلاحقت بعد ذلك أشعار الشعراء وجيل السابقين وتلاميذ اللاحقين ينوعون في هذه القصائد، ويجددون شكلا ومضمونا حتى أصبحت القصيدة على ما هي عليه في الوقت الحاضر.

[1]

[2] - "شربل في تخت شرفي وحاطب ليل" لعمر شبانة، مجلة ثقافات، صيف 2002.ص 135.

[3] - تاج العروس من جواهر القاموس (قصد)، 5/191.

[4] - نفسه، 5/192.

[5] - أثر الشعر والشعر، ص25

[6] - محاولة لتأصيل قصيدة النثر في الثقافة العربية لأيمن رفعت، مجلة شعر، ص 77.

[7] - تأملات في الشعر والشعراء لمحمد عزيز الحبابي ، مجلة الأكاديمية، عدد8، دجنبر 1991، ص 186-187.

[8] - التماسة عزاء لعبد الله الطيب، ص213.

[9] -تاج العروس، 5/19

[10] - المرشد إلى فهم أشعار العرب، 3/777

[11] - نفسه.

[12] - التماسة عزاء لعبد الله الطيب، ص135.

[13] - الشعر والقصيدة لأكتافيو باز، ص165-166

[14] - نفسه، ص 166-167.

[15] - نفسه، ص 165-166-167.

[16] - البنيات الحيوية في وحدة القصيدة العربية لوليد مشوح، ص 136.

[17] - نفسه، ص183.

[18] -نفسه، ص 142.

[19] - المرشد، 3/876

[20] - البيان، 1/67.

[21] - منهاج البلغاء، تحقيق محمد حبيب باخوجة، دار الغرب الإسلامي، ط3، 1986، ص314-345.

[22] - نمط صعب ونمط مخيف، دار المدني، جدة، ط1، ص299.

[23] المرشد، 3/867

[24] - التماسة عزاء، ص152.

[25] - نفسه، ص153.

[26] - المرشد، 3/86.

[27] -أثر الشعراء، ص27.

[28] -التماسة عزاء، ص51.

[29] أثر الشعراء، ص31.







  رد مع اقتباس

العدد12 من مجلة الأدب الإسلامي
قديم منذ /12-01-2012, 08:09 PM   #2 (permalink)

عضو نشط

aq555 غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 501
 تاريخ التسجيل : Jan 2002
 المشاركات : 147
 النقاط : aq555 is on a distinguished road

افتراضي

بارك الله فيك








التوقيع
تعلم فان المرء لا يولد عالما
  رد مع اقتباس
العدد12 من مجلة الأدب الإسلامي
قديم منذ /10-02-2012, 06:32 PM   #3 (permalink)

عضو نشط

ريناد الحلول غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 789386
 تاريخ التسجيل : Feb 2012
 الجنس : ~ MALE/FE-MALE ~
 المشاركات : 90
 النقاط : ريناد الحلول is on a distinguished road

افتراضي

الف شكر وجزاكم الله خيرا








  رد مع اقتباس
العدد12 من مجلة الأدب الإسلامي
قديم منذ /06-09-2012, 12:40 PM   #4 (permalink)

عضو فعال

مسك11 غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 654242
 تاريخ التسجيل : Jan 2011
 المشاركات : 57
 النقاط : مسك11 is on a distinguished road

افتراضي

شكرأتسلم الأيادي








  رد مع اقتباس
العدد12 من مجلة الأدب الإسلامي
قديم منذ /27-09-2012, 03:02 PM   #5 (permalink)

عضو فعال

العنيد941 غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 195794
 تاريخ التسجيل : Feb 2007
 المشاركات : 53
 النقاط : العنيد941 is on a distinguished road

افتراضي

مشكورررررررررررين








  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

جامعة نجران

Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
الساعة الآن 02:05 AM

  • روابط هامة
  • روابط هامة
LinkBack
LinkBack URL LinkBack URL
About LinkBacks About LinkBacks

SEO by vBSEO 3.6.1