Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Armco FX هي شركة وساطة واستثمار عالمية مرخصة ومتخصصة في أسواق المال العالمية.
برنامج مدرستي نت - عصر التحول الرقمي
العسل الحر


المنتدى العام يمكنكم في هذا القسم المشاركة في كافة المواضيع التي تهم التعليم وغيره

موضوع مغلق
الحج رحلة باتجاه التوبة
الحج رحلة باتجاه التوبة
قديم منذ /06-04-2006, 09:11 PM   #1 (permalink)

عضو ماسي

المعلم السعيد غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 33471
 تاريخ التسجيل : Feb 2004
 المشاركات : 2,701
 النقاط : المعلم السعيد is on a distinguished road

Lightbulb الحج رحلة باتجاه التوبة

الحج رحلة باتجاه التوبة
محمد علي بن حسين الحريري

الارتحال انتقال السكان من مكان لآخر، والرحلات تتسم بالاستمرار لأنها حركة، والإنسان لا يكف عن الحركة؛ لأن التوقف عن الحركة يعني الموت وتوقف الحياة.
فالإنسان ليس كتلة جامدة كالجبال والمدن ولهذا تقوم دراسة جغرافية حركتهم التي تتم بشكل طبيعي (مواليد ووفيات)، أو بشكل يخططه الإنسان بالسعي في مناكب الأرض والمشي في طلب الرزق والضرب في الأرض، وهو ما يعرف بالرحلة عند الجغرافيين (لطلب العلم، لطلب الرزق، لأسباب أخرى..).
والرحلة قد تكون داخلية - بين مدن الدولة الواحدة - أو خارجية - لدول أخرى -، وقد تكون فردية أو جماعية، اختيارية أو اجبارية، دائمة أو مؤقتة، موسمية أو يومية، فإذا كانت حركة المواليد والوفيات تعمل على توزيع السكان فإن الرحلات بأنواعها المختلفة تؤدي لإعادة هذا التوزيع.
ولا شك أن الحج من أنواع الرحلات، إذ هو صورة من صور حركة السكان وتنقلهم من مكان إلى آخر، وهو يمثل حركة سكانية دولية عالمية منظمة ينتقل بها أفواج الحجاج من قارات العالم عبر الحدود السياسية لدولهم إلى داخل المملكة العربية السعودية.
وهو أيضاً حركة داخلية ينتقل بها السكان السعوديون والمقيمون من محل إقامتهم المعتاد في مدن وقرى المملكة المترامية الأطراف إلى البقاع المقدسة لأداء مناسك الحج والعمرة؛ ولا بد من الإشارة إلى موسمية العمرة في شهر رمضان المبارك كحركة سكانية لا تقل في أهميتها واتساعها عن الحج.
ويختلف الحج والعمرة عن الرحلات والهجرات السكانية العادية الجغرافية في الدوافع وطبيعة الناس القادمين للحج من حيث العمر والعمل. فلا يوجد شيء يحرك الناس إلى الحج إلا الدوافع الدينية والروحية البحتة، فأشواق الروح وعامل الجذب الديني هو الذي يدفع بالمسلمين من كل بقاع المعمورة إلى البقاع المقدسة.
ولا يمنع الإسلام الحجاج من التجارة في الحج والاستفادة من هذا التجمع البشري لممارسة الأنشطة الاقتصادية المختلفة؛ حيث يمكن للحجاج أن يمارسوا التجارة مع إخوانهم القادمين من شتى بقاع الأرض ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198) صلى الله عليه وسلم البقرة: 198}.
ولكن إخلاص النية في الحج وفي كل عمل من أعمال الإنسان سبب أدعى للقبول وأرجى للأجر والثواب عند الله سبحانه قال الرسول صلى الله عليه وسلم : "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله..."(1) ويتميز الحج كحركة سكانية بتقارب نسبة الذكور والإناث لأن أفواج الحجيج غالباً لا تكون من الذكور وحدهم كما هو شأن حركات السكان بدافع العمل أو الظروف السياسية والاقتصادية بل يشترك في الحج الذكور والإناث معاً. كما أن التركيب العمري للحاج لا يكون من الشباب وفئات السن المتوسطة القادرة على العمل والإنتاج كما هو شأن الحركة السكانية العادية، بل تشمل حركة الحجاج الشباب والشيوخ والكهول وبعض العجزة غير القادرين الذين يتمنون لو انتهت بهم رحلة الحياة في الأراضي المقدسة.
لقد كانت رحلة الحج في القرن الماضي تستغرق نحو سبعة أشهر مثلاً - لحجاج تركيا على قوافل الإبل - وكانت القوافل تقطع المسافة بين دمشق والمدينة النبوية في أربعين يوماً، فلما أنشئ الخط الحديدي الحجازي اختصر تلك المسافة إلى أربعة أيام، وهذا يعني أن الإسلام فرض على المسلمين ممارسة الهجرة عملياً ولو مرةً واحدة في العمر، ليمارس المسلم خلالها تجارب متعددة ويطبق أحكام السفر الفقهية، ويعايش أصنافاً من البشر فيصقل خبرته وتجاربه ويكتسب علماً ومعرفة وهو في الطريق لأداء ركن الإسلام الخامس الحج إلى بيت الله الحرام.
والمتأمل في إحصائيات الحجيج لا يجد قارةً في العالم إلا وقدم منها عدد من الحجاج مهما بعدت المسافات أو طال زمن الرحلة.


البعد الزمني للحج:


الحج ركن من أركان الإسلام سابق على ظهوره بأكثر من عشرين قرناً، فرض على إبراهيم عليه السلام عندما أمره الله سبحانه وتعالى بإقامة قواعد بالبيت وتطهيره من رجس الأوثان، قال الله تعالى: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود 26 صلى الله عليه وسلم الحج: 26}.
لقد بدأت فريضة الحج بعد إقامة البيت، قال الله تعالى: وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى" كل ضامر يأتين من كل فج عميق 27 صلى الله عليه وسلم الحج: 27}.
وتوارث الحنيفيون تلبية ذلك النداء وأداء ذلك الفرض العظيم حتى جاء عمرو بن لحي الخزاعي فدنس طهر البيت بالأوثان ودخلت الشوائب على عقيدة التوحيد ومع ذلك ظل العرب يؤدون الحج ويعظمون البيت برغم ما تسرب إلى المناسك من مظاهر الوثنية.
وأشرق فجر الإسلام ومكث النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاماً يقرر التوحيد ويحارب الشرك في العصر المكي، ثم فتحت مكة في العام الثامن للهجرة، وأعيد التوحيد الخالص إلى رحاب البيت العتيق.
وفي حجة الوداع يعلن النبي صلى الله عليه وسلم عالمية الإسلام في عرفات عام 10ه وها قد مضى على الحج قرابة خمسة عشر قرناً من عمر الإسلام تضاف إلى عمر فريضة الحج في بعدها الزمني والتي لا تقل عن أربعين قرناً.
لقد قطعت عشرات الملايين من الحجاج فجاج الأرض من كل فج عميق، عبر الدروب المؤدية إلى مكة المكرمة رجالاً وركباناً بالطائرات والسيارات وعلى الإبل والخيل وبشتى الوسائل المتاحة في رحلة سنوية موسمية تحتضن فيها أم القرى أبناء الإسلام فترة من أعمارهم يستشعرون فيها عظمة الإسلامية وعالمية الدين ودفء الأخوة الإسلامية وقيم التواضع والمساواة والبذل والصبر والجهاد ليشهدوا منافع لهم في هذه الرحلة المفروضة على المسلمين مرة واحدة في العمر.









التوقيع
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
 

الحج رحلة باتجاه التوبة
قديم منذ /06-04-2006, 09:12 PM   #2 (permalink)

عضو ماسي

المعلم السعيد غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 33471
 تاريخ التسجيل : Feb 2004
 المشاركات : 2,701
 النقاط : المعلم السعيد is on a distinguished road

افتراضي

البُعد الحضاري للحج:


لقد اكتسب المسلمون من آثار فريضة الحج وعَبر دروبها الطويلة منافع حضارية لا حصر لها ففي ذلك اللقاء العالمي الجامع بأرض المناسك حيث يشكل المسلمون أروع مجتمع بشري فيه من كل جنس ولون جمعهم التوحيد في وئام ومحبة ثم يفترقوا وأعينهم تفيض من الدمع بعد أن تكونت علاقات اجتماعية واقتصادية وثقافية تنبض بها شرايين الأمة وتناقلتها دروب الحجيج التي امتلأت عبر التاريخ وكان لها أثر لا يمكن إغفاله في حياة المسلمين.
لقد ترك المسلمون تراثاً جغرافياً وتاريخياً وعمرانياً في ميادين المعرفة فنشأ سجل معرفي أحدث مصاهرة بين البيئات والحضارات ففي القطاع الشرقي من العالم الإسلامي برز من الرحالة الباحثين (ناصر خسرو أبو إسحاق الحربي - ابن حوقل - اليعقوبي - ياقوت الحموي - الخوازمي - ابن خرداذبة - ابن رستة - المسعودي - البيروني).
وفي الغرب (ابن جبير - البكري - ابن بطوطة - الادريسي - التجيبي - ابن رشيد الأندلسي والمقريزي والجزائري - وأبو القاسم الزياني).
وفي الجنوب (الهمداني - عرام بن الأصبع - الينبعي) وفي الشمال (المقدسي عبدالغني النابلسي - ابن فضلان).
أما اللقاء بين أهل الفقه والتفسير والحديث واللغة والأدب في أرض المناسك وعلى دروب الحج فلا يستطيع أحد من الناس الإحاطة به فقد تبودلت أفكار وآراء، وكتبت إجازات وبحوث ومؤلفات كانت تشكل ثقافات متنوعة تهب على كل ديار المسلمين في عصر ما قبل ظهور الطباعة.
ولقد أدت دروب الحجيج إلى رحلات داخلية بين أقطار العالم الإسلام، فمن الحجيج من استوطن بقاعاً جديدة واختصر طريق العودة، فأرض المسلمين واحدة، والمسلم يتجاوز الحدود البلدانية، وكم استشهد على الطريق من الحجيج في عصر كان الحاج يودعه أهله وفي حسابهم ألا يعود من هذه الرحلة.
ويتميز الحج عن سائر العبادات الإسلامية بأنه فريضة العمر على كل مسلم يمتلك الاستطاعة من الزاد والراحلة أن يرتحل إلى مهبط الوحي ومواقع النبوة، ويعيش فترة من عمره في إطار الزمان والمكان الذي كان وعاء لحركة الإسلام الأولى، حيث بدأت الخطوات من غار حراء وامتدت حتى تبلغ الناس كافة. والمسلمون عموماً مطالبون بين وقت وآخر بالعودة إلى المنابع الأولى للمراجعة والتصويب وللتأكد من صحة اتجاه المسير.
إن وفود الحجيج السنوية وهي تأتي من شتى أنحاء العالم الإسلامي إلى موطن الدعوة الأولى والعيش على الأرض التي بزغ فيها فجر الإسلام تتواصل مع الجذور التاريخية الممتدة للنبوة وتتجاوز حواجز التاريخ والجغرافيا لتشرف على خط التوحيد بدءاً من إبراهيم عليه السلام الذي أمره الله سبحانه ببناء البيت وتطهيره من الشرك والوثنية ومناداة الناس إلى الحج.
إن الحج جهاد أو باب من أبواب ينفر إليه كل عام طائفة ممن يحمل هموم المسلمين تنقل صورة الواقع الحقيقي للأمة المسلمة بالرؤية المباشرة بعيداً عن صور الزيف والتضليل الإعلامي والسياسي. فعلى الرغم من تباين النظرة السياسية والتفرق والتمزق خلف الحدود جعلت المسلمين شيعاً وأحزاباً يؤكد لقاء الحج سنوياً أن العقيدة أقوى من السياسات وأن ما يجمع المسلمين كشعوب أكثر من فلسفات الفرقة التي تبتكرها أباطيل السياسة وتلافيف متاهاتها المظلمة.
إن الحج رحلة باتجاه الماضي على مستوى النفس للقيام بالمراجعة والمحاسبة واستعراض الأخطاء وجوانب التقصير حيث يتاح للسلوك والعقل والفكر التوبة من المعاصي وقطع العهد عن البيت العتيق ليولد المسلم من جديد ودع الماضي بكل ما فيه واتجه إلى المستقبل نقياً من الذنوب، قال صلى الله عليه وسلم : "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" متفق عليه(2).
ولعل الطواف بعكس عقارب الساعة هو اتجاه إلى الماضي لمحو الآثار وتعفيتها وطمس معالم الذنوب السابقة في النفس البشرية.
وكما أن الحج رحلة باتجاه الماضي على مستوى النفس ومحاسبتها فهو أيضاً رحلة باتجاه قراء ة السيرة والتاريخ وعودة للتزود من المنبع الأصلي ومشاهدة لأرض النبوة ورصد لحركة الدعوة عن قرب واستعادة للتألق التاريخي لنقاط الارتكاز التي قام عليها المجتمع المسلم والحضارة الإسلامية مما ينشط الذاكرة ويحددها ويعيد الفاعلية للجوانب الضامرة من عاطفة الإنسان وفكره بعد رحلة زمنية بعيدة.
إننا نسمع اليوم عن مجموعات من المؤرخين والجغرافيين وعلماء الاجتماع والأديان يحاولون التوغل في العمق التاريخي، ويستحضرون الظروف والملابسات التي رافقت الأحداث وذلك لتخليص المسار الحضاري مما علق به؛ في محاولة للوصول إلى الحقيقة وبعث الامجاد وشحذ الهمم من خلال العيش في نفس الظروف التاريخية.
فهناك عدد من الرحالة الأوربيين يحاولون السير على نفس الطريق الذي سارت عليه الحملات الصليبية ويلبسون لباس تلك الفترة كما نسمع عن آخرين يشدون الرحال لاقتفاء آثار المكتشفين الجغرافيين وما ذلك إلا ليتوفر للفكرة التي يعيشها الإنسان الظروف التي نبتت وترعرعت فيها تلك الفكرة.
ولكن هذه العودة إلى الماضي وإن كانت ضرورية فيجب أن تقدر بقدرها؛ فإذا كان التثبت بالتاريخ واللجوء إليه للوقوف أمام العواصف التي تحاول اقتلاع الجذور ضرورياً فلا يعني ذلك الغياب في الماضي على حساب الحاضر والمستقبل، لأن تلك الغيبوبة تصبح موتاً مع وقف الدفن وإساءة للماضي نفسه، وحكم عليه بالعجز وعدم الصلاحية لإفادة الحاضر وتشكيل المستقبل وتلك هي الأزمة المستعصية التي وقع أولئك الذين أسقطوا الحاضر والمستقبل فانسحبوا من الساحة نهائياً يعيشون على ذكريات الماضي وأمجاده وانتصاراته مع إصرار شديد على تأكيد الوجود التاريخي من الحضور المعاصر.
إن المسلم عندما يتهيأ لأداء فريضة الحج ينبغي أن يعرف أن أول الحج الفهم - فهم موقع الحج من الدين - ودراسة أعمال الحج ودراسة أسرارها ورموزها حتى يشعر بالشوق والعزم وإزالة الموانع واتخاذ أسباب السفر.
والمتأمل في أعمال الحج يشعر بالحكم العظيمة فيه قال ابن دقيق العيد في شأن أعمال الحج وأسراره: "وفي ذلك من الحكم تذكر الوقائع
الماضية للسلف الكرام، وفي تذكرها مصالح دينية، إذ يتبين في أثناء كثير منها ما كانوا عليه من امتثال أمر الله تعالى، والمبادرة إليه، وبذل النفس في ذلك، وبهذه النكتة يظهر لك أن كثيراً من الأعمال التي وقعت في الحج، ويقال فيها إنها تعبدية فقط ليست كما قيل، ألا ترى أنا إذا فعلناها وتذكرنا أسبابها حصل لنا من ذلك تذكر الأولين، وما كانوا عليه من احتمال المشاق في امتثال أمر الله فكان هذا التذكر بامتثالنا على مثل ذلك، ومقرر في أنفسنا تعظيم الأولين، وذلك معنى معقول، مثاله: السعي بين الصفا والمروة، إذا فعلناه وتذكرنا أن سببه قصة هاجر مع ابنها، وترك الخليل لهما في ذلك المكان الموحش منفردين منقطعي أسباب الحياة بالكلية مع ما أظهره الله تعالى لهما من الكرامة والآية في إخراج الماء لهما، كان في ذلك مصالح عظيمة، أي في التذكر لتلك الحال، وكذلك رمي الجمار إذا فعلناه وتذكرنا أن سببه رمي إبليس بالجمار في هذه المواضع عند إرادة الخليل ذبح ولده، يحصل من ذلك مصالح عظيمة في النفع في الدين"(3).
إن المسلم الذي يدرك الحج بأنه طاعة وامتثال لله وفهم لهذه الحكم إنما يدفعه الشوق والعزم لأداء هذه الفريضة لثقته المسبقة بأن أول مكاسبه هو التطهر من ذنوبه السالفة وسيرجع من رحلته إلى الحج وكأنه ولد من جديد، قال صلى الله عليه وسلم : "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"(4)، وحديث أبي هريرة }: "والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"(5) متفق عليه.
.








التوقيع
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
 
الحج رحلة باتجاه التوبة
قديم منذ /06-04-2006, 09:13 PM   #3 (permalink)

عضو ماسي

المعلم السعيد غير متواجد حالياً

 رقم العضوية : 33471
 تاريخ التسجيل : Feb 2004
 المشاركات : 2,701
 النقاط : المعلم السعيد is on a distinguished road

افتراضي

يرجع المسلم بعد الحج بعيداً عن موبقات الرجس وهواجس الإثم، وتقوم نفسه اللوامة بإحصاء سيئاته والتوجه مباشرة إلى الله عز وجل بطلب المغفرة والعفو؛ وذلك لأنه في موسم الحج وصل بيت الله تائباً، وكلما وصل مشعراً من مشاعر الحج دب دبيب إيمانه فصدع بالتلبية والتكبير وصمم بنفسه على التوبة النصوح والعهد القاطع ألا يعود إلى المعصية.
موقف عرفة وازدحام الناس فيه أعظم مشاهد الحج ومناسكه ففي ذلك الموقف بازدحام الخلق فيه وارتفاع أصواتهم واختلاف لغاتهم مع اتحاد لباسهم وزيهم يتذكر المسلم عرصات القيامة ووقوف الأمم مع أنبيائهم واتباع كل أمة نبيها طامعين في شفاعتهم متحيرين بين الرد والقبول، أمم متعددة الألوان والألسنة جاؤوا من كل فج عميق يبتهلون إلى الله عز وجل شعثاً غبراً تجردت قلوبهم وأجسامهم من زينة الدنيا وامتدت أعناقهم وأيديهم وشخصت أبصارهم إلى خالقهم العظيم سبحانه الذي تجلى عليهم في ذلك الموقف يباهي بهم ملائكته ويشهدهم أنه جل شأنه غفر لأهل الموقف.
في هذا الجو الروحي الذي لا يمكن أن تكون السماء الأقرب إلى الأرض في موضع سواه تنكشف الهواجس عن صاحب النفس اللوامة شيئاً فشيئاً فيحس بنسيم منعش يداعب صفحة وجهه ويدب إلى رئتيه فينشرح صدره فإذا آنس ذلك من نفسه أحس أن طوراً ثقيلاً كان يجثم على صدره راح يتزحزح شيئاً فشيئاً، ومع مواصلة التفرغ والخشية يتخفف الحاج من أوزاره وأثقاله ليرجع كيوم ولدته أمه حتى إذا انشرح وثب من مكانه ظافراً منتصراً فقد هزم إبليس وجنده وهزم أشباح المعصية في حياته ويلح في الدعاء موقناً في الآية الكريمة، قال الله تعالى: \دعوني أستجب لكم 60 صلى الله عليه وسلم غافر: 60} فيشعر بالراحة النفسية التي عجزت نظريات الطب وعلم النفس عن منحها للعصاة المذنبين فلا عجب أن نسمع دعوات علماء الاجتماع والصحة النفسية إلى توظيف العبادات وعلى رأسها الحج لمقاومة الانحرافات السلوكية وسائر أنواع الإدمان من خلال إيجاد نوع من العلاج النفسي والاجتماعي ذي الوجهة الإسلامية بعد النجاح الكبير الذي لاحظه علماء النفس والاجتماع للعبادات الإسلامية في مجال التهذيب والإصلاح والتقويم.
ومما يكتسبه الحاج في رحلته الروحية إلى الحج زيادة إيمانه بنبيه صلى الله عليه وسلم حيث يرى بعينيه هذه البقاع الطاهرة التي سار عليها النبي صلى الله عليه وسلم فكانت مسرحاً لجهاده في نشر الدعوة فيتذكر عند الصفا صعوده صلى الله عليه وسلم عليها داعياً قومه عندما أذِنَ الله له بالجهر بالدعوة بعد ثلاث سنوات من السرية والكتمان، ويذكر عند العقبة اجتماعه بالأنصار في بيعة العقبة الأولى والثانية، ويرى جبل النور وقد ارتفع عليه (حراء) بشمم وسمو يستقبل أول نزول الوحي بالقرآن الكريم، وعندما يرى عرفات يتذكر حجة الوداع وجموع الصحابة رضي الله عنهم تأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم في مناسكهم وهم يستمعون إلى حجة الوداع، حيث خطب النبي صلى الله عليه وسلم أبلغ خطبة حفظت حقوق الإنسان وكرامته قبل أن يعرفها الغربيون بألف عام.
إن التأمل في غار حراء وصعوبة الارتقاء إليه في جو لاهب من الحر والريح الجافة لتؤكد للناس عبر القرون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مؤيداً ببأس قوي وعناية رب العالمين، عندما ينقطع في الغار الليالي ذوات العدد لا يعبأ بالوحشة والانفراد، ولا يتسلل إلى نفسه الشريفة خوف من الوحوش والأفاعي، مما يجعل انقطاعه صلى الله عليه وسلم بالغار معجزة مستقلة تؤكد صدقه صلى الله عليه وسلم وصبره على تلقي هذا الأمر العظيم من الوحي والنبوة والتبليغ.
إن اجتماع الحجيج من أرجاء المعمورة يهللون بالتوحيد تجمعهم عقيدة واحدة وشريعة واحدة ثم أضاف الحج إليهم رابطة ثالثة حسية ملموسة هي وحدة الأرض والوطن أرض الوحي والموطن لأمة الإسلام قاطبة، فالمسلمون مهما تباعدت أقطارهم وتباينت ألسنتهم وألوانهم هم أمة واحدة تجمعهم رابطة الدين والعقيدة، وهم الأمة الوسط في موقعها الجغرافي وفي بعدها الروحي والديني، وهذه الوحدة كافية للتغلب على تلك الفوارق السطحية بين شعوب المسلمين في ألسنتها وألوانها وعاداتها لتجعل من المسلمين أمة واحدة تتجانس مناهجها وخططها وطرق تفكيرها لتكون الأمة الأقوى والأرغد عيشاً والأتم عزة ومنعة، قال الله تعالى: إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون 92 صلى الله عليه وسلم الأنبياء: 92}.
إن الذي ينظر من أعلى إلى صعيد عرفات إلى تلك الجموع الهادرة تعلن التوحيد والتلبية والتكبير لا يتخيل للحظة واحدة أن مثل هذه الأمة قد تهزم وتضعف وتكون تابعاً لغيرها من الأمم.
فالحج أتاح فرصة اللقاء بين مسلمي العرب والهند والصين والروس والأفارقة وأرغم كل مسلم في الأرض على التفكير في قوة أمته ووحدتها، فلا يجوز لمسلم أن ينطوي على نفسه في قُطْره وإقليمه بل عليه أن يرحل ويبحث ويلتقي بإخوانه في هذه الكتلة الإسلامية الكبرى، قال الله تعالى: ليشهدوا منافع لهم ويذكروا \سم الله 28 صلى الله عليه وسلم الحج: 28} ففي الحج يكتسح المسلم فرديته الضيقة ينتقل إلى رحاب الإسلام التي تغطي الكرة الأرضية، مستشعراً الأخوة الإسلامية وهي تجمع الهندي والصيني والإفريقي والأوربي في أسرة واحدة وبيت واحد ومجتمع واحد يشد بعضه وبعضاً.
إن الحج هو الخطوة الأولى لبناء الوحدة الإسلامية على أساس الدين والعقيدة متجاوزين الحدود الجغرافية والقومية والإقليمية.
إن أبلغ آثار الحج في نفس المؤمن التائب هو ولادته الجديدة بعد عودته الخاشعة نظيفاً من الذنوب والآثام، يستأنف حياة جديدة من الاستقامة والسمو، فيحاسب نفسه في خواطره الصامتة إذا حدثه الشيطان بسوء قائلاً: لقد حجيت البيت فحافظ على طهرك ونقائك، ولا تدري أتعيش لعام قادم أو لا تعيش؟! وفرصة الحج ثانية قد لاتعود فاحذر الخطيئة والإثم، ويقف الحج فاصلاً منيعاً بين الماضي، والحاضر المشرق ويدفع الحاج دفعاً كيلا ينكص على عقبيه ويحافظ على السلوك المستقيم.
وتساعد نظرة المجتمع إليه بعد عودته على المزيد من التقوى والإستقامة فالحرص على السمعة والمروءة ليس رياء بل هو مبالغة في التقوى والحرص على الطهر والنقاء، إن نظرة المجتمع في إيجابيتها لا تقل أهمية عن الوازع الداخلي عند المسلم في تقوية حس المراقبة والمحاسبة.
إن الحج تطهير للنفس وغرس لبذور الفضيلة والاستقامة وصلة قوية بمنابع الإسلام الأولى ستظل ذكرياتها محفورة في الذاكرة تؤجج الشوق إلى تكرار الحج والعمرة عدة مرات، وإذا حالت بعض الموانع دون تكرار الرحلة سيكون العزاء الشافي هو الثبات على العهد والتزام السبيل المستقيم ولسان حالهم يقول:
لئن لم أحج البيت أو شط ربعه
حججت إلى من لايغيب عن الذكر
فأحرمت من وقتي بخلع نقائصي
أطوف وأسعى في اللطائف والبر
ومن رام نفراً بعد نسك فإنني
مقيم على نسكي حياتي بلا نفر
والحمدلله أولاً وآخراً








التوقيع
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
 
موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
"جوال زاد الحج ... اجعله رفيقك في الحج !!!!!!! الحربي2008 المنتدى العام 6 23-11-2010 08:06 PM
مقبرة بعرقة ( الرياض) عمرها 1400 سنة .. الأموات فيها باتجاه بيت المقدس ( يوجد صورة) باث فندر المنتدى العام 10 03-09-2007 02:21 AM
التوبة والشيطان أسد الجوف المنتدى العام 6 26-10-2006 12:13 AM
رحلة العمر ................. موقع شامل عن الحج ابولمى منتدى المرحلة الثانوية (تربية اسلامية ) 4 18-01-2004 01:06 PM
رحلة الحج ... عرض بالبوربوينت أبو مجد المنتدى العام 4 02-07-2003 01:53 AM

جامعة نجران

Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
الساعة الآن 02:38 PM

  • روابط هامة
  • روابط هامة
LinkBack
LinkBack URL LinkBack URL
About LinkBacks About LinkBacks

SEO by vBSEO 3.6.1